السبت 25 ذو القعدة 1443 - 25 يونيو 2022
العربية

كيف يحكم على من يظهر الإسلام وبعض شعائره بالكفر، إذا ترك الصلاة؟

328927

تاريخ النشر : 13-08-2021

المشاهدات : 1656

السؤال

قرأت في أحد أجوبتكم أن المسلم إذا لم يصلِ فهو كافر، ووجب عليه الدخول إلى الإسلام من جديد إذا رجع إلى صلاته، أنا أبلغ من العمر 14 سنة، أصلي وأترك. سؤالي هو: كيف يتساوى الذي يعرف الله ويؤمن به وبرسله وملائكته وكتبه ويؤمن بيوم القيامة، ويذكر الله، ويستر نفسه وعيوبه، ويبتعد عن الخمر والخبائث، مع من لا يؤمن بوجود الله سبحانه أبدا، ويلبسون ثيابا غير محتشمة، ولا يؤمنون حتى بكتب الله تعالى التي أنزلها ولا أن هناك يوم سوف يزولون فيه، ولا توجد حدود بينهم وبين الرجال الغرباء، ويشربون الخمر كيف يتساوون؟ فقط لأن المسلم ترك الصلاة؟ وأيضا هل أنا كفرت لقولي هذا الكلام ؟

الحمد لله.

أولا:

حكم من يترك الصلاة أحيانا 

سبق في الموقع بيان أقوال أهل العلم فيمن يترك الصلاة أحيانا، في الجواب رقم : (83165).

كما ينبغي التنبه إلى أن  الحكم على الشخص بأنه كافر إنما هو في حق من تحقق فيه البلوغ وأصبح مكلفا.

قال ابن القطان رحمه الله تعالى:

" والعلماء مجتمعون على أن الله تعالى إنما خاطب بالأمر والنهي وإقامة الفرائض البالغين من ذوي العقول دون غيرهم " انتهى من"الإقناع" (1 / 124).

ثانيا:

لا غرابة في القول بكفر تارك الصلاة وبيان ذلك

القول بأن تارك الصلاة تهاونا كافر رغم إقراره بعقائد الإسلام ، وقيامه ببعض شرائع الإسلام ، هذا القول لا غرابة فيه ، وبيان هذا من وجهين:

الوجه الأول:

أن العلم بالشرع وحده لا ينفع صاحبه إذا لم يتبعه بالانقياد لهذا العلم والعمل به، وهذا أمر مجمع عليه، فهذا أبو طالب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم كان مصدقا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصرا له مدافعا عنه، وهذا كله لم ينفعه لأنه لم يتبع كل هذه المعرفة بالانقياد.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

" عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ )، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل )...

قوله: ( من شهد أن لا إله إلا الله )، أي: من تكلم بهذه الكلمة، عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، كما دل عليه قوله: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ) وقوله: ( إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ). أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع " انتهى من " تيسير العزيز الحميد" (ص 51).

والصلاة هي عمود الإسلام، فمن تركها مع علمه بوجوبها كان معاندا للشرع ، تاركا الانقياد له.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادة العلم بها وبموجبها. الثانى: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثانى كفر عناد.

وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذى نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجته بالرسل " انتهى من "طريق الهجرتين" (2 / 901).

الوجه الثاني:

أن من شرط  صحة الإسلام الصدق والإخلاص في الالتزام بأوامره.

عن مُعَاذ بْنِ جَبَلٍ، أنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ له:   مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ   رواه البخاري (128)، ومسلم (32).

فمن يعلم أن الصلاة هي عمود الإسلام ، وربما وقف على النصوص المشيرة إلى كفر تاركها، ورغم هذا يتهاون في أدائها، ويلتزم فقط بما اعتاد عليه مجتمعه من بعض الأخلاق الحسنة، والتي لا يكفر مخالفها، فهذا لم يحقق صفة الصدق والإخلاص في طاعة الله تعالى، بل اتبع هواه.

والإيمان لا يتحقق بالهوى، وإنما بصدق الاتباع للوحي والإخلاص في ذلك.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" ليكن معلوما أن من شهد بالتوحيد مخلصا فلا يمكن أبدا أن يدع الفرائض؛ لأن إخلاصه يحمله على فعلها، كيف يشهد أن لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، ويقول: أنا أريد بذلك وجه الله، ثم لا يعمل العمل الذي يوصله إلى الله؟! فهذا لا يمكن، ولهذا من حافظ على ترك الصلاة ولم يصل صار كافرا، حتى ولو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ فما دام أنه لا يصلي نقول: أنت كافر، لا فرق بينك وبين الذي يسجد للصنم؛ ولهذا جاء لفظ في رواية مسلم من حديث جابر: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)  " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (45 / 13 ترقيم الشاملة).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (210371).

هذا، مع التنبيه إلى أن نفس الحكم بكفر تارك الصلاة : من مسائل الخلاف المعتبرة بين الفقهاء.

ثم على القول بكفره، فالمختار الذي عليه الفتوى في الموقع: أن مناط الكفر إنما هو في ترك الصلاة بالكلية، وأما من يصلي مرة ، ويدع مرة : فهذا لا يكفر، على القول الراجح، مع عظيم خطر ما هو عليه، وأن ترك صلاة واحدة من أكبر الكبائر، وأعظم العظائم في الدين.

وينظر جواب السؤال رقم : (185619)، ورقم : (225270).

ثالثا:

المسلم مأمور بأن يتعلم دينه ويستفسر عما لا يفهمه من أحكام الشرع 

استفسار المسلم عما يعسر عليه فهمه من أحكام الشرع، ليس محرما ولا كفرا، بل هو مأمور به.

قال الله تعالى:  فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  النحل/43.

والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عمّا يشكل عليهم فهمه من نصوص الوحي.

لكن يجب أن تصاحب هذا الاستفسار النية الصالحة؛ وهي قصد التعلم وإزالة الشبهات، وليس بقصد الاعتراض.

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

" فمن سأل مستفهما راغبا في العلم، ونفي الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العي السؤال.

ومن سأل معنتا غير متفقه ولا متعلم، فهذا لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره " انتهى." التمهيد" (21 / 292).

فالسائل قد يعرّض نفسه للكفر إذا استفسر عن نصوص الوحي الثابتة مستخفا بها مستنكرا لها؛ لأنه بهذا الاستنكار لم يعظم الله تعالى ونسب إليه عدم كمال العلم والحكمة، وهذا مخالف لأصل الإيمان وهو تعظيم الله تعالى واعتقاد كماله في صفاته العلى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

" فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله سبحانه وتعالى والرسالة لعبده ورسوله، ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبه من الإجلال والإكرام والذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح، بل قارنه الاستخفاف والتسفيه والازدراء بالقول أو بالفعل كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه، وكان ذلك موجبا لفساد ذلك الاعتقاد، ومزيلا لما فيه من المنفعة والصلاح، إذ الاعتقادات الإيمانية تزكي النفوس وتصلحها، فمتى لم توجب زكاة النفس ولا صلاحا فما ذاك إلا لأنها لم ترسخ في القلب " انتهى من"الصارم المسلول" (3 / 700).

كما يجب التفريق بين الاعتراض على نص من الوحي وبين الاعتراض على اجتهاد العالم وقوله؛ فالاعتراض على قول العالم ليس كفرا ؛ لأن العالم بشر معرض للخطأ والسهو والنسيان، لكنه قد يكون معصية إذا كان اعتراض المعترض ليس بعلم ولا بقصد التعلم.

قال الله تعالى:  قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  الأعراف/33.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب