يشرع تخيل أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وشخصه، بحسب ما جاء في أوصافه وشمائله، صلى الله عليه وسلم، ويشرع تخيل أحداث حياته، بحسب ما ورد في سيرته، صلى الله عليه وسلم. وينبغي العناية بكتب السيرة والشمائل، والإكثار من النظر فيها، لمعرفة أحواله الشريفة، صلى الله عليه وسلم.
ما حكم تخيل شكل النبي صلى الله عليه وسلم؟
السؤال 317490
أعلم أنه لا يُسمح بتصوير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك من خلال رسمه أو ممثل يلعب دوره إلى آخره، لكن، هل يحظر تخيّله؟ تخيّل كيف كان يبدو، تخيله كما كان في حياته، وقصص حياته؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصلٌ عظيم من أصول الإيمان، ولا يكتمل إيمان العبد حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين.
ومن أعظم أبواب زيادة هذه المحبة، وتعميق الصلة الروحية به صلوات الله وسلامه عليه: استحضار سيرته، وتخيل تفاصيل حياته، وتَصَوُّر أوصافه الخَلْقية والخُلُقية في الذهن، بناءً على ما صح في دواوين السنة.
ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
أولاً: مشروعية التخيل الذهني، واستحبابه.
هناك فرق كبير بين "التخيل الذهني" و"التجسيد المادي". فالتجسيد المادي (كالرسم، والنحت، والتمثيل) محرم سداً لذريعة الغلو، وصيانةً لمقام النبوة عن العبث والامتهان، ولمنع تجرؤ الناس على تصويره بصورة قد لا تليق بكريم مقامه، صلى الله عليه وسلم.
ينظر قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته العشرين في جواب السؤال رقم (163107).
أما "التخيل الذهني"، فهو أمر محمود ومطلوب؛ لأن العبادات القلبية كالمحبة والشوق والتعظيم لا تتم ولا تكتمل إلا بمعرفة المحبوب، والمعرفة تستلزم استحضار صورته وأفعاله.
قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الأحزاب/21. ولا يمكن للمسلم أن يتأسى بشخصية مجردة لا يستحضرها في ذهنه، بل الاقتداء فرعٌ عن استحضار القدوة، وتخيل هديه وسمته في المواقف.
ثانيًا:
قد يشكل على البعض: لماذا نبيح التخيل ونحرم الرسم والتمثيل؟ والجواب يكمن في فروق شرعية دقيقة، بيّنها أهل العلم، منها:
- القابلية للامتهان: الصورة المرسومة أو المشهد التمثيلي يمكن أن تتعرض للامتهان، أو السخرية، أو أن تقع في أيدي العابثين، بينما الصورة الذهنية في ذهن المؤمن محفوظة مجللة بالوقار والاحترام والتنزيه.
- عجز البشر عن تمثيل الكمال النبوي: الممثل الذي سيؤدي دور النبي صلى الله عليه وسلم، أو الرسام الذي سيرسمه، لن يبلغ كماله، وسيطبع صورة الممثل أو الرسمة الناقصة في أذهان الأجيال، فيتخيل الناس النقص بدلاً من الكمال. أما التخيل الذهني المعتمد على النصوص، فيبني صورة للكمال البشري تتناسب مع جلال النبوة، دون أن تحدها ريشة رسام أو أداء ممثل.
- سد ذريعة الشرك والغلو: الصور والتماثيل كانت تاريخياً الذريعة الأولى للشرك وعبادة الصالحين كما حدث في قوم نوح، فمنعت الشريعة تصوير الأنبياء سداً لهذا الباب، بينما التخيل الذهني هو من باب استحضار القدوة ولا يفضي إلى اتخاذ صور تُعبد من دون الله.
وينظر أيضا للفائدة: جواب السؤال رقم (181704)، ورقم (158232)، ورقم (10452).
ثالثاً:
عناية الصحابة بوصفه الدقيق ليُتخيل من بعدهم:
لقد حرص الصحابة الكرام رضي الله عنهم على نقل أدق تفاصيل أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم الجسدية (الشمائل الخَلْقية) لمن بعدهم، فوصفوا لون بشرته، وطول قامته، وشكل عينيه، وكثافة لحيته، وطريقة مشيته، وتفاصيل ضحكته وبكائه. ولو كان استحضار صورته في الذهن وتخيلها محرماً، لما نقلوا لنا هذا الوصف الدقيق، ولنهوا التابعين عن التفكر فيه.
ومن ذلك ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ" رواه البخاري (3551)، ومسلم (2337).
وما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَا بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ..." رواه البخاري (3548)، ومسلم (2347).
فهذه الأوصاف إنما نُقلت لترتسم في عقول المؤمنين ومخيلتهم، فيحبوه كأنهم يَرَوْنه، ولتكون حاجزاً يمنع من تسلل الأوصاف الباطلة إلى أذهانهم.
رابعًا:
من الضوابط التي ينبغي التقيد بها، حتى لا يخرج هذا التخيل إلى الغلو ولا تزل قدم المسلم:
1- أن يقتصر التخيل على ما وردت به النصوص الصحيحة من صفاته الخَلْقية والخُلُقية، ولا يطلق لخياله العنان في اختراع أوصاف لم تثبت.
2- ألا يدفع هذا التخيل إلى ادعاء رؤيته يقظةً، فهذا من الأبواب التي انزلق فيها بعض الغلاة.
3- أن يقترن هذا التخيل بتعظيم مقامه كعبد لله ورسوله، فلا يُرفَع فوق منزلته التي أنزله الله إياها.
لمزيد من الفائدة، يرجى مراجعة جواب السؤال رقم (502851).
خامسًا:
التخيل الصحيح شرط لمعرفة صحة الرؤيا المنامية:
من أعظم البشارات للمؤمن أن يرى نبيه صلى الله عليه وسلم في المنام، وقد أخبرنا الصادق المصدوق أن من رآه في المنام فقد رآه حقاً. قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي" رواه البخاري (110)، ومسلم (2266).
وقد قرر العلماء أن هذه البشارة تتحقق لمن رآه على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها. فكيف للمسلم أن يعرف أن الذي رآه في المنام هو النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن قد تخيله مسبقاً بناء على الأوصاف الصحيحة المحفوظة في صدره؟
ولهذا كان محمد بن سيرين يسأل من يخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، عن أوصافه وتخيله إياها؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (12/384): "كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إِذَا قَصَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صِفْ لِي الَّذِي رَأَيْتَهُ، فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَةً لَمْ يَعْرِفْهَا قَالَ: لَمْ تَرَهُ". انتهى. وهذا يدل على أن السلف كانوا يدرسون أوصافه ويستحضرونها في عقولهم كمعيار لمعرفته.
لمزيد من الفائدة، يرجى مراجعة جواب السؤال رقم (23367)، ورقم (47782)، ورقم (1512).
الحاصل:
يشرع تخيل أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وشخصه، بحسب ما جاء في أوصافه وشمائله، صلى الله عليه وسلم، ويشرع تخيل أحداث حياته، بحسب ما ورد في سيرته، صلى الله عليه وسلم. وينبغي العناية بكتب السيرة والشمائل، والإكثار من النظر فيها، لمعرفة أحواله الشريفة، صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟