أولا:
من المتأصل في العقول، أن اختلاف الناس في أمر من الأمور أو علم من العلوم لا يلزم منه بطلان ذلك الأمر أو العلم، وإنما يجب عند التنازع التحاكم إلى أمر متفق عليه؛ من شأنه أنه يرفع الخلاف ويظهر المحق من المبطل.
والله سبحانه وتعالى أمرنا عند الاختلاف والتنازع في أمر الدين أن نتحاكم إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا النساء (59).
فهذه الآية كما أرشدتنا إلى طريق فصل النزاع، أشارت إلى أن السنة محفوظة أيضا.
لأن هذا الخطاب متجه إلى جميع المؤمنين حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ويكون الرد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، بالرد إلى سنته صلى الله عليه وسلم؛ وهذا يلزم منه حفظ السنة حتى يتم التحاكم إليها.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى:
" قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن، والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يُخلق ويُركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس، كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا، ولا فرق ... " انتهى. "الاحكام" (1 / 97).
وإذا تحاكمنا إلى القرآن الكريم نجد أنه يقرر أن سنة محفوظة؛ لأن الله تعالى قال:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ الحجر (9).
وحفظ القرآن يتم بحفظ ألفاظه وحفظ بيانه، والسنة هي المبينة لآيات القرآن الكريم المنزلة.
قال الله تعالى:
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ النحل (44).
ونتحاكم إلى القرآن الكريم، فنجد أن الله تعالى أمرنا بطاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى:
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ المائدة (92).
وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته إنما تحصل بالالتزام بسنته، وهذا يلزم منه أن تبقى محفوظة.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى:
"وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله؛ فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن؛ إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله.
وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ.
فقد اختص الرسول -عليه الصلاة والسلام- بشيء يطاع فيه، وذلك السنة التي لم تأت في القرآن" انتهى. "الموافقات" (4 / 321 - 322).
وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم: (172853).
ثانيا:
وعند تحاكمنا إلى القرآن الكريم، فكما نصل إلى أن السنة محفوظة، نصل أيضا بوضوح إلى أن السنة المحفوظة هي الموثقة في دواوين أهل السنة لا غير؛ ويظهر هذا بأصول بيّنة وواضحة لكل منصف، من ذلك:
الأول:
أن أهل السنة يرون مصدر سنته صلى الله عليه وسلم: كل ما نقله لنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؛ لان القرآن الكريم عدلّهم.
كقول الله تعالى:
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التوبة (100).
وقوله تعالى:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا الفتح (18).
وقوله تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ الفتح (29).
لكن الشيعة تركوا هذه الآيات خلف ظهورهم، وفسقوا وكفروا جلّ الصحابة الذين نص الله تعالى على أنه رضي عنهم، ولم يوثقوا من الصحابة إلا فئة قليلة جدا، قاتلت بجانب علي رضي الله عنه في الجمل وصفين.
وبهذا أبطلوا شطرا كبيرا من السنة النبوية.
فمن يصدق عليهم أنهم حفظوا السنة؟!
وراجع للأهمية جواب السؤال رقم: (118176)، ورقم: (187689).
الثاني:
لأجل هذا الفراغ الذي حصل عند الرافضة بإهدارهم لمعظم مرويات الصحابة رضوان الله عليهم، ولحاجتهم إلى ما يشد ما أحدثوه من بدع، ألجأهم هذا الضلال إلى قبول رواية كل ضعيف ومتهم، إذا كان منتسبا أو ينسبونه إلى طائفتهم إذا أخبرهم بخبر منسوبا إلى أبي عبد الله جعفر الصادق ولو بإسناد منقطع، ويجعلونه حجة، ولو لم يصل سنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون هذا حجة كافية في الدين، وليس لهم على هذا التصرف دليل من وحي أو عقل، بل سلكوا هذا السبيل لأنه يوافق هواهم ويسهل عليهم صنع الأخبار التي يهوون نشرها بين العامة.
وأما أهل السنة، فإنهم لا يقبلون رواية كل راو بمجرد كونه من أهل السنة، فليس هذا معيار القبول؛ بل المعيار الذي يدل عليه العقل والنقل، أن يكون هذا الراوي معروف العين، ومعروفا بالعدالة والصدق، فلا تقبل رواية كل راو حتى يفتش في حاله.
قال الله تعالى:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ الحجرات (6).
قال ابْنِ سِيرِينَ: ( لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ ) رواه مسلم في "مقدمة صحيحه" (1 / 15).
قال العلائي رحمه الله تعالى:
"لأن المبتدعة كَذَبت أحاديثَ كثيرة، تشيد بها بدعتها، قال ابن عباس رضي الله عنه -لما بلغه ما وضعه الرافضة من أهل الكوفة على علي رضي الله عنه-: " قاتلهم الله؛ أي علم أفسدوا". رواه مسلم في مقدمة صحيحه أيضا.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: كان ابن سيرين، وعروة بن الزبير، وطاووس، وإبراهيم النخعي، وغير واحد من التابعين؛ يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يَعرف ما يروي، ويحفظ، وما رأيت أحدا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب" انتهى. "جامع التحصيل" (ص 69 – 70).
ولم يكتف أئمة السنة لقبول الأخبار بمجرد تحقق عدالة الراوي الظاهرة، بل اجتهدوا في تحقيق التبين والتثبت، حتى لا ينسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، بأن قاموا بمقارنة روايات الرواة ببعضها البعض، حتى يظهر لهم من يكثر الخطأ والمخالفة فيدل هذا على ضعف حفظه فتترك رواياته.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
"وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله..." انتهى. "مقدمة صحيح مسلم" (1 / 6).
وقال رحمه الله تعالى:
"فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الاخبار من أضدادهم من الحفاظ" انتهى. "التمييز" (ص 209).
بل حتى الراوي الإمام الثقة الكبير إذا تفرد برواية، ربما تركوها لاحتمال وجود خطأ فيها.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" انتهى. "شرح علل الترمذي" (2/ 582).
وشهرة الرواية، وتداول الأئمة لها: علامة أنس وفرح بها عند الأئمة، وطيب نفس بالبناء علهاي.
قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى:
"والأحاديث التي وضعتها في "كتاب السنن" أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس.
والفخر بها: أنها مشاهير؛ فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم.
ولو احتج رجل بحديث غريب، وجدتَ من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به، إذا كان الحديث غريبا شاذا.
فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح: فليس يقدر أن يرده عليك أحد.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث" انتهى. "رسالة أبي داود إلى أهل مكة" (ص29).
أما الشيعة؛ فمع أخذهم عن كل راو من طائفتهم، مهما كان حاله، فهم كذلك من أجهل الناس، أو من أكثر الناس تجاهلا لأصول نقد الروايات، فلذا لا يوجد فيما يتفردون به من أخبار ما يحكم عليه بالصحة، حتى على أصولهم وقواعدهم التي سطروها في كتبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"ومفاريد الرافضة، التي تدل على غاية الجهل والضلال: كثيرة لم نقصد ذكرها هنا.
لكن المقصود: أن كل طائفة، سوى أهل السنة والحديث المتبعين لآثار النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينفردون عن سائر الطوائف بحق، والرافضة أبلغ في ذلك من غيرهم" انتهى. "منهاج السنة" (5 / 177).
وقال رحمه الله تعالى:
"وأما الحديث فهم – أي الشيعة الرافضة - من أبعد الناس عن معرفته: لا إسناده، ولا متنه، ولا يعرفون الرسول وأحواله، ولهذا إذا نقلوا شيئا من الحديث كانوا من أجهل الناس به، وأي كتاب وجدوا فيه ما يوافق هواهم نقلوه، من غير معرفة بالحديث..." انتهى. "منهاج السنة" (6 / 379 – 380).
الثالث:
سارع أهل السنة إلى التدوين في عصر الرواية، قبل أن تمضي المائة الأولى من الهجرة، فلم تأت سنة ثلاثمائة من الهجرة، إلا وأصول السنة مدونة، فقد رافق حركة الراوية حركة التدوين ونقد الرواة وتصفيتهم ببيان الثقة من الضعيف، ونقد المرويات وبيان الصحيح منها من الضعيف، وتفرغ لكل هذا أئمة لا شغل لهم إلا الحديث وعلومه، ورحلوا الرحلات الطويلة من أجل التثبت والتدقيق، فلا يعتمدون على مصنفات إمام إلا بعد الرحلة إليه وسماعها منه، وتضافرت الجهود، فكانت عملية حفظ السنة وتنقيتها من الدخيل عمل الأمة جميعا، وليس عمل أفراد فقط، فلذا عندما يحكم على صحة أحاديث "صحيح البخاري" و "صحيح مسلم" لا يحكم لها بذلك لمجرد كون المصنف الإمام البخاري والإمام مسلم، ولكن لأن جهودهما في انتخاب ما صح من الاخبار قامت على أسس موافقة للشرع والعقل، ووافقهم عليها نقاد الأخبار في مختلف البلدان والعصور، فهو تصحيح من الأمة جميعا، وليس من الإمامين وحدهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث، تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علما قطعيا أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها" انتهى. "مجموع الفتاوى" (1 / 257).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"وأهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين، وإن تنازعوا في أحاديث يسيرة منها جدا، وهم متفقون على لفظها ومعناها، كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن ومعناه" انتهى. "الصواعق المرسلة" (2 / 655).
أما الشيعة الرافضة: فكانوا في سبات عميق، وغفلة الأهواء، فلم يستيقظوا منها إلا بعد ان انتهى سوق الرواية، وذهب الرواة ببضائعهم، وبدأوا يسمعون تعيير الناس لهم بأن لا أصول حديثية لديهم، فشرعوا في محاولة تدارك هذا النقد بالتصنيف، فليس لهم من كتب لأصول مروياتهم إلا ثمانية، أغلبها جاء متأخرا عن عصر الرواية، فأول هذه الكتب تصنيفا صاحبه مات بعد الثلاثمائة من الهجرة، وقد زيد في كتابه على مر العصور، وآخر هذه الكتب الثمانية مصنفه توفي في بداية القرن الرابع عشر الهجري؟!
وما احتوته هذه المصنفات وتفردت به من أخبار هم أنفسهم يحكمون بضعف غالبها، فأئمتهم ومشايخهم يعترفون بأن أخبار مصنفاتهم لا تتوافق مع شروط الصحة، ويعترفون أنهم يقبلونها مع ضعفها ونكارتها، لأنهم إذا أسقطوها لم يبق لهم شيئا يستندون إليه في بدعتهم، وللوقوف على هذا بتفصيل وأدلة قاطعة من كلام الشيعة أنفسهم، طالع كتاب "علم الحديث بين أصالة أهل السنة وانتحال الشيعة" للمؤلف أشرف الجيزاوي، وهو متاح على شبكة الأنترنت.
الخلاصة:
القرآن الكريم يدل بوضوح على أن السنة محفوظة، ونصوص الوحي وصريح العقل يقطع بأن هذه السنة المحفوظة هي التي في دواوين أهل السنة لا غير، وأما مصنفات الرافضة فلا يشك باحث عاقل منصف أن طريقتهم ومنهجهم في رواية الأخبار وتدوينها هي ضرب من اللعب والعبث.
والله أعلم.