يجوز كتابة القصص الواقعية إذا كان فيها عظة وعبرة مع تغيير أسماء أصحابها بأسماء وهمية وتعمية معلوماتهم حتى لا يُعرف أحد من أصحابها.
ما حكم كتابة القصص الواقعية مع إخفاء الشخصيات الحقيقة؟
السؤال: 290058
قرأتُ إجاباتِكم حول موضوعِ كتابةِ القصصِ والرواياتِ الخياليةِ، لكنَّ سؤالي - جزاكم الله خيرًا -: ماذا عن كتابةِ قصصٍ حقيقيةٍ حصلت فعلًا مع الكاتب، أو مع معارفَ لهُ،ولكنهُ يُضْطَرُّ إلى تغييرِ أسماءِ الأشخاصِ الذينَ حصلت القصةُ معهم، وبعضِ معلوماتِهِم الشخصية؛ حتى لا يُعرَفُوا، فهل ثمّةَ ما يُسوِّغُ تغييرَ الأسماءِ وتلكَ المعلوماتِ، شرعًا؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا بأس بكتابة القصص الواقعية، وهي على شقين:
الأول: إذا كانت القصة تدور أحداثها حول أمر مما لا يليق نشره باسم أصحابه، فلا بأس بكتابتها، إذا كان في ذلك عبرة وعظة ونفع مع تغيير أسماء أصحابها بأسماء وهمية، وتعمية معلوماتهم حتى لا يُعرف أحد من أصحابها؛ فيدخل الداخل عليهم في نياتهم، أو ما سوى ذلك من المفاسد، مع حصول المصلحة بضرب المثل، وذكر القصة، من غير تعيين أصحابها، كما سيأتي نظائره في السنة.
الثاني: إذا كانت أحداث القصة تدور حول خير فعله أصحابها فإنك تحتاج إلى إذنهم لجعلها قصة عامة على الملأ بأسمائهم الحقيقة، وإن غلب على ظنك أو كانت المصلحة بعدم ذكر أسمائهم الحقيقة فلا بأس بكتابتها مع تغيير أسماء أصحابها بأسماء وهمية وتعمية معلوماتهم حتى لا يُعرف أحد من أصحابها.
والحاصل:
أنه في الحالين: ينبغي عدم التصريح بذكر الأسماء، فإنه إما أن يكون خير، وتعيين الأسماء يدخلهم في الشهرة، وكثرة الأحدوثة، أو يدخل عليهم مفاسد أخرى، ربما لا ينتبه لها المحدث.
وأما إذا كانت صفة ذم، أو فعلا لا ينبغي، فلا يخفى عدم جواز تعيين فاعله باسمه، وأن ذلك يدخله من الغيبة، أو يورثه من المسبة، أو يوقع من إيغار الصدور، وغير ذلك من المفاسد: ما لا يخفى على عاقل.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وقع حدث، وأراد تصحيح مساره خطب على المنبر وقال (ما بال أقوام) دون أن يسميهم.
فعن عَائِشَةَ قالت: أتت بريرة تسألها في متابها، فقالت: إن شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي، وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا - وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَنَا. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ذكرته ذلك، فقال: (ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ). ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ - فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ) رواه البخاري (444)
وعَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فقَالَ بَعْضُهُمْ:
لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عَلَيْهِ فقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ. وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ. وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) رواه مسلم (1401).
قال ابن رسلان رحمه الله:
"(ولكن يقول: ما بال أقوام) أي: ما بال رجال (يقولون: كذا كذا): وهذا فيه بيان آداب حسن العشرة؛ أن لا يشافه أحدًا بعينه بالمخاطبة بما يكرهه، ولا يصرح باسمه الذي يعرف به؛ لشدة حيائه، وإغضائه عما يشوش على من يجالسه.
ويشبه أن يكون أصل هذا المعنى في كتاب اللَّه تعالى، وذلك كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ" انتهى من "شرح سنن أبي داود لابن رسلان" (18/ 445).
وقال أبو حفص الفاكهاني رحمه الله:
"قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا؟! ": هو على عادته -عليه الصلاة والسلام- في خُطَبه في مثل هذا، إذا رأى شيئًا يكرهه، فخطبَ له، لم يُعَيِّنْ فاعليه، ولم يواجِههم بما يكرهون، ولم يُسَمِّهِمْ بأسمائهم على رؤوس الملأ؛ فإن المقصودَ من فاعل ذلك المكروه، وغيرِه من الحاضرين، ومن يبلغْه من غيرِهم، يحصُل من غير حصولِ توبيخِ صاحبِه في الملأ، وهذا من مكارم أخلاقه، وفصلِ خطابه، وحسنِ آدابه، وجميلِ عشرته، وعظيمِ جَنابه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال سبحانه وتعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" انتهى من "رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام" (4/ 576).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"(ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله): وهو يعلمهم، لكن هذه من عادته؛ لأن تعيين الإنسان في مثل هذه المقامات تجريح له في الواقع، وليس المقصود أن يجرح الشخص، ولكن المقصود أن يبين الحق، وأن هذا باطل فلا يجوز.
والتجريح في المقامات العامة: هذا لا يصلح به مصلحة أبدًا، لأن الإنسان إذا عين شخصًا ربما يحمل على أن العداوة شخصية، وأراد أن يشهر به.
انظروا إلى مؤمن آل فرعون: وقال رجل مؤمن من أل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله [غافر: 28]. لم يقل: أتقتلون موسى؛ لئلا يُتهم بأن دعوته إلى الحق دعوة شخصية عصبية، وهذا من حسن الدعوة". انتهى من "فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام" (2/ 321).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا. حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما" رواه مسلم (863).
قال الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله:
"ولم يسم من خرج ستراً عليهم؛ لأن مثل هذه الأمور لا تحصل فيها التسمية، كثير من القضايا التي حصل فيها شيء من الخلل بالنسبة لبعض الأشخاص، فإنه لا يسمى؛ ستراً عليه" انتهى من "شرح المحرر في الحديث" (45/ 16 بترقيم الشاملة).
كما قص علينا النبي صلى الله عليه وسلم عن أقوام ممن كان قبلنا، قصصا كثيرة فيها عظة وعبرة، دون تسمية أصحابها مثل: قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، وقصة الثلاثة الذين أطبق عليهم في الغار، وقصة البغي التي سقت الكلب فغُفر لها وغيرها كثير.
وقد ذكر ابن حجر رحمه الله عددا من الأحاديث التي أخفي فيها أسماء أصحابها، للمصلحة فقال:
"حديث أبي هريرة غفر لامرأة مومسة لم تسم هذه المرأة، وكذا المرأة التي ربطت الهرة، وحديث أبي هريرة في قصة أقرع وأبرص وأعمى لم يسمَّ واحد منهم ، ولم يسم الملك الذي جاءهم أيضا ، حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار لم يسموا ، وفيه من المبهم أيضا أبو أحدهم وأهله وعياله وبنت عم الآخر وأجير الآخر …، وكذا المرأة التي سقت الكلب ، حديث أبي سعيد في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا لم يسمَّ هو ولا الراهب الذي أكمل به المائة ، وفيه فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا اسم هذه القرية نصرة واسم القرية الأخرى كفرة رواه الطبراني… وكذا في الرجل قال: إذا مت فاحرقوني لم يسم هذا الرجل، وحديث أبي هريرة كان رجل يداين الناس لم يسم أيضا، وحديث عبد الله بن عمر في المرأة التي ربطت الهرة، وحديث ابن عمر بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف" انتهى باختصار من "فتح الباري" لابن حجر (1/ 296-298).
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء:
"إذا ذكرت قصة واقعية دون ذكر الأسماء، فهل تعتبر هذه غيبة؟
فأجابت: "إذا كانت كريهة، ولم توجد قرائن أحوال تعين أو ترجح أصحاب الواقعة- فليست بغيبة، لكن إذا كانت تثير شرا، أو كانت ذريعة إلى فساد: فذكرها حرام لذلك، وإن لم تكن غيبة" انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى" (26/ 15).
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (105470)، (107775)، (331090).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟