كيف يكون التعامل مع الفتاة الهاربة من بيت والدها في بلاد الغرب؟

السؤال: 284637

هربت أختي بعيداً قبل 3 سنواتٍ، وأنا وأبي لم نتصّل بها منذ ذلك الحين، قبل أيّامٍ قليلةٍ، وصلتنا رسالةً منها تشرح فيها أنّها تأسف لما فعلته، وأنّها تطلب الغفران، وترغب بالاتصّال مرّةً أخرى، مع ذلك، وجدنا أيضاً قبل أيّامٍ قليلةٍ أن أمّي على اتّصالٍ معها سرّاً خلال تلك السنوات ال 3، لكن، بعد نقاشٍ عاطفيٍّ سامحنا أمّي، وقررنا أن نسامح أختي أيضا.
سؤالي هو:
بما أنّ أختي كانت تعيش لوحدها طيلة تلك السنوات، هل ينبغي لها أن تأتي وتعيش معنا في بيتنا مرةً أخرى، كشرطٍ للتسامح، أم إنّ هذا ليس ضروريّا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

بداية نسأل الله لأختك الهداية والصلاح.

أولا:

لابد أن يدرك الآباء وأولياء الأمور أن العيش في بلاد الكفر له ضريبة كبيرة؛ فالبيئة ضاغطة، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، ووسائل التواصل: محرضة على التمرد على الوالدين، بحجة الحرية الشخصية، والمحاضن التربوية الإسلامية تكاد تكون معدومة، فيتأثر الأطفال والمراهقون بصورة خاصة بهذا الأمر، ويحصل الكثير من التمرد على الأسرة والقيم.

فمن كان خياره العيش في بلاد الغرب، فلا بد من جعل العلاقة مع الأولاد في غاية الحب والرحمة والصبر، ولا بد من الاجتهاد في جعلهم يشعرون بالأمن والأمان في بيوتهم، وفتح أبواب الحوار معهم أضعاف أضعاف ما لو كان في بلاد إسلامية، ولو حصل منهم بعض المخالفات؛ لأن أبواب التمرد مشرعة والجهات المحرضة تحتويهم وتعينهم على مراغمة والديهم وأسرهم وتحديها، فالتعامل مع الأبناء والبنات في تلك البلاد له خصوصية لا  بد من مراعاتها قبل فوات الآون.

مع الحرص على ربطهم ببيئة إسلامية من خلال المراكز الإسلامية والمساجد الموجودة في المنطقة والتردد عليها، وإحياء الترابط الأسري بين العائلات المسلمة وتهيئة مناخ إسلامي للأولاد وتعليمهم مبادئ وأخلاقيات الإسلام.

والمؤمن الحصيف عليه أن يغادر تلك البلاد إلى حيث يأمن معه استقامة أولادة وسلامة أسرته وحسن قوامته عليهم.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (52893).

ثانياً:

ما حصل من أختكم من هروب من البيت لهذه المدة الطويلة أمر قد حصل، وانقضى، ولم يعد بالإمكان استدراكه؛ فليكن النظر الآن في استدراك توابعه، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من المصالح، ودفع ما يمكن دفعه من المفاسد المترتبة على ذلك التصرف الخاطئ، بلا ريب.

فهذه ابنتكم، هربت أو عادت، فهي ابنتكم، وأمانتكم؛ والعرب تقول: "أنفك منك؛ ولو كان أجدع"!! فلا بد من الاجتهاد في احتوائها، ومحاولة استصلاحها وترشيدها.

واتصالها بكم، واعتذارها: هو طرف الخيط الملائم، الصالح لكم أن تمسكوا به، وتصلوا إلى قلبها وعقلها من خلالها، وهو يدل على ندم حاصل عندها، ومن الجميل استغلال هذا الندم والاعتذار لإعادتها إلى الصواب والرشاد، فواجب الأب الشرعي رعاية أسرته، ووقايتها مما يوقعها في مخالفة أوامر الله.

قال الله تعالى:

 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ‌وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ التحريم/ 6.

وفي الحديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ ‌راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ومسؤولة عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ رواه البخاري (853).

وقوله: (والرجل راع في أهل بيته): هذه ولاية خاصة، فالرجل مسئول عن أهل بيته، وهم رعيته، وهو مسئول عما استرعاه الله من ‌أولاده ونسائه، ومن يكون تحت ولايته في بيته، فيجب عليه أن يعمل ما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم، بأن ينفق عليهم، ويحسن إليهم، ويعاملهم المعاملة الطيبة، ويعمل على استقامة أمورهم، وعلى قيامهم بأمور دينهم، وكل ذلك مسئول عنه صاحب البيت، فهو راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة، هل أدى ما يجب عليه نحو من ولاه الله عليهم من الإنفاق عليهم، والإحسان إليهم، والقيام بشئون دينهم ودنياهم؟

فإن أحسن فإنه يحسن لنفسه، وإن أساء فإنه يسيء عليها، ويعاقب على إساءته، لإخلاله بما أوجبه الله عليه من رعاية أهل بيته والقيام بشؤونهم، وما يصلح أمور دينهم وديناهم" انظر :"شرح سنن أبي داود للعباد" (345/ 3 بترقيم الشاملة آليا).

وبحكم الواقع الغربي الذي يقلل الخيارات كثيرا، ويعرقل جهود الإصلاح كثيرا أيضا، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جُله، فسددوا وقاربوا.

ومتى أمكنكم استداراجها، والفرار بها، وبأنفسكم، ودينكم، إلى حيث تأمنون الفتنة: فافعلوا، فهو أنجى لكم، وأرجى عند ربكم، وإن فاتكم من أمر الدنيا ما فاتكم.

ثالثا:

لا بد أن يكون هناك احتواء لأختكم، بالتعاون مع والدتكم بإقناعها أن مكانها الطبيعي بين أهلها وأنه الأصلح والأسعد لها في دينها ودنياها، وإشعارها بالأمان، لتعود للعيش معكم من تلقاء نفسها فهذا حسن.

فإذا حصل هذا، فتعاملوا مع الأمر بحكمة دون تأنيب ولا تذكير بهذا الذنب والخطأ؛ بل بإشعارها بفرحكم بها وبعودتها، مع الترشيد والتوجيه المباشر وغير المباشر برحمة وشفقة من الوالدين.

فإذا كان الله الغني عن عباده يفرح بتوبة عبده وقربه؛ فحري بنا أن نفرح بتوبة التائب وعودة الهارب.

فعَنْ أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه حيث ذكرني. والله! لله أفرح ‌بتوبة ‌عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة. ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا. ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا. وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول رواه مسلم (2675).

رابعاً:

إن عادت، وحسن الحال، كما نرجو إن شاء الله؛ فمن النافع لحالها ترغيبها بالزواج من رجل مستقيم، واجتهدوا أنتم في البحث عن الخيار المناسب لها؛ فإن ذلك يحدث استقرارا نفسيا وعاطفيا وجسديا.

خامساً:

قبل هذا ومعه وبعده؛ اجتهدوا في الإكثار لها من الدعاء، خاصة من والديها، فإن دعوة الوالدين مستجابة، وكم عاد من شارد، وصلح من فاسد، ببركة دعاء الوالدين.

وفي الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم : ثَلاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لا شَكَّ فِيهِنَّ : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ رواه ابن ماجه (3862) وحسنه الألباني.

وقال المناوي رحمه الله:

"ودعوة الوالد لولده": لأنه صحيح الشَّفقة عليه، كثير الإيثار له على نفسه، فلمَّا صحت شفقته أجيبت دعوته، وإذا كان الوالد كذلك، فالأُمُّ أَوْلَى" انتهى من "التيسير بشرح الجامع الصغير" (1/ 468).

وينصح بالاطلاع على الفتاوى التالية في الموقع ففيها مزيد بيان: (118547)، (162787)، (270306).

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android