ما وجه تفريق العلماء بين أركان وواجبات الصلاة؟

السؤال 281982

سؤالي يتعلق بأركان وواجبات الصلاة، الأركان إذا نسيها المصلي لا بد من أن يأتي بها ويسجد للسهو، أما الواجبات فيجبرها سجود السهو، سؤالي هو: كيف حَكَم العلماء على الركن أنه ركن وليس واجب وما هو دليلهم، وكيف حكموا على الواجب أنه واجب وليس ركن وما هو دليلهم؟
مثال: ما دليلهم أن التشهد الأول واجب وليس ركنا؟ وما دليلهم أن التشهد الأخير ركن وليس واجبا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

من الأحكام التكليفية: الواجب، والواجبات المتعلقة بالصلاة قسمها الفقهاء إلى أقسام: شروط يجب ابتداؤها قبل أداء الصلاة كالطهارة واستقبال القبلة، وأركان في الصلاة لا تسقط عمدًا ولا سهوًا، مثل تكبيرة الإحرام والركوع، وواجبات في الصلاة تبطل الصلاة بتركها عمدًا وتجبر بسجود السهو ناسيًا.

وفي المغني لابن قدامة (1/298): "ولا يلزم من التساوي في الوجوب، التساوي في الأحكام، بدليل واجبات الحج" انتهى.

ثانيًا:   

اتفق الفقهاء في الصلاة على وجود الأركان والسنن في الجملة، واختلفوا في وجود قسم الواجب فيها.

فالحنفية والحنابلة يذهبون إلى تقسيم الصلاة إلى فروض (أركان)، وواجبات، وسنن .

انظر: تحفة الفقهاء (1/96)، منتهى الإرادات (1/236-238).

وأما المالكية والشافعية فلا يذكرون قسم الواجب في أفعال الصلاة.

فالمالكية قسموا الصلاة إلى فروض، وسنن، وفضائل.

في التلقين في الفقه المالكي (1/41):

"والصلاة مشتملة على فروض، وسنن، وفضائل" انتهى.

وقسم الشافعية الصلاة إلى أركان، وسنن.

في روضة الطالبين (1/223):

"الصلاة تشتمل على أركان، وسنن تسمى أبعاضًا، وسنن لا تسمى أبعاضًا" انتهى.

ولم يأت على ذكر الواجبات؛ لأنه لا وجود لهذا القسم في أفعال الصلاة.

وانظر: مغني المحتاج (1/340)، الموسوعة الفقهية الكويتية (23/111)، (27/61-62).

رابعًا:

ضوابط معرفة أركان الصلاة:

  1. ذكر بعض الفقهاء أن الضابط في الأركان التي لا تسقط بالسهو: أن كل ما ورد في حديث المسيء في صلاته فهو ركن.

وانظر: حديث المسيء في صلاته إجابة رقم (117779).

قال ابن قدامة رحمه الله بعد ذكر أركان الصلاة في المغني (1/366):

"وقد دل على وجوبها حديث أبي هريرة عن المسيء في صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لم تصلِّ"، وأمره بإعادة الصلاة، فلما سأله أن يعلمه علمه هذه الأفعال، فدل على أنه لا يكون مصليا بدونها. ودل الحديث على أنها لا تسقط بالسهو ; فإنها لو سقطت بالسهو، لسقطت عن الأعرابي لكونه جاهلا بها؛ والجاهل كالناسي" انتهى.

ومن الضوابط في معرفة أركان الصلاة :

  1. نفي صحة الصلاة عند انتفاء ذلك الركن:

مثل قراءة الفاتحة في الصلاة جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (32/9):

"ذهب المالكية والشافعية والحنابلة: إلى أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.

حاشية الدسوقي 1/ 236، ومغني المحتاج 1/ 156، وكشاف القناع 1/ 386، " انتهى.

والنفي هنا للصحة. انظر: الشرح الممتع (3/ 296).

  1. تسمية الصلاة باسم ذلك الركن:

مثل الركوع والسجود؛ فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج/٧٧].

"فقوله: (اركعوا واسجدوا) أي صلوا، وإنما عبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء"  موسوعة أحكام الصلوات الخمس للدبيان (9/421).

  1. تسمية الركن باسم الصلاة:

مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، قال اللَّهُ تعالى: حَمَدَني عبدي ... رواه مسلم (395).

  1. الحكم ببطلان العبادة بانتفاء الركن:

مثل حديث المسيء في صلاته عندما لم يطمئن في صلاته قال له: (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، فدل على أن الطمأنينة ركن.

قال العراقي رحمه الله في طرح التثريب (2/375):

"ولا يحتاج أن يقول له لا يجزيك حتى تصلي هذه الصلاة على هذه الصفة. على أنه قد جاء في حديث رفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك، وروى أصحاب السنن من حديث أبي مسعود البدري مرفوعا: لا يجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود وقال الترمذي حديث حسن صحيح".

  1. عدم اكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بسجود السهو؛ بل إتيانه بما تركه:

كحديث ذي اليدين حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر ركعتين ثم سلم سهوًا، فلما نُبّه صلى ما ترك ركعتين ثم سجد للسهو. كما في الصحيحين.

انظر: الإجابة رقم (310851).

خامسًا:

اختلف الفقهاء في حكم التشهد الأول والتشهد الثاني، وكأن السائل يسأل عن مذهب الحنفية والحنابلة، ووجه تفريقهم في حكم التشهد الأول وأنه واجب، والتشهد الثاني وأنه ركن.

روى البيهقي بسنده في السنن الكبرى (2/200) عن علي بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن من ترك التشهد، فقال: "يعيد".

وينظر: شرح المنتهى (1/217، 219). 

إلا أن الحنفية، يقولون إن الفرض هو نفس "الجلوس" للتشهد، وأما قراءة التشهد فيه: فهو واجب.  قال في الاختيار لتعليل المختار (1/54) : "القعدة الأخيرة فرض والتشهد فيها واجب" انتهى. وينظر: بدائع الصنائع (1/163).

والأصل في فرضية التشهد حديث ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه, أنه قَالَ: كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُولُوا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ , وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". رواه سنن النسائي (1277)، والدارقطني في سننه (2/160)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/198)، وقال الدارقطني : "هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ"، وكذا قال الحافظ في الفتح (2/312)، وصححه الالباني.

وقال عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِتَشَهُّدٍ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (8713)، وعبد الرزاق في مصنفه (2/206) (3080)، ومحمد بن الحسن في كتابه الآثار (1/ 477).

وروى البيهقي في السنن الكبرى (2/528) بسنده عن عبد الله قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: "لا صلاة إلا بتشهد".

وقال: وبمعناه رواه صفدي بن سنان، عن أبي حمزة، وهو بشواهده الصحيحة يقوى بعضَ القوة" انتهى.

فالأصل أن التشهدين ركن، ويعضد ذلك أنهما من ماهية الصلاة.

لكن لما ورد في البخاري (793)، ومسلم (570) عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ"= دل على أنه ليس بركن، لجبره بسجود السهو، مع عدم الإتيان به.

في الشرح الممتع (3/310):

"فإن قال قائل: يَرِدُ علينا التشهُّد الأول: فإنه مِن التشهُّد، ومع ذلك تَرَكَه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وجَبَرَه بسجود السهو، وهذا حكم الواجبات، أفلا يكون التشهُّدُ الأخير مثله؟

فالجواب: لا، لأنَّ الأصلَ أن التشهُّدين كلاهما فَرْضٌ، وخَرَجَ التشهُّدُ الأول بالسُّنَّة، حيث إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جَبَرَه لمَّا تَرَكَه بسجود السَّهو، فيبقى التشهُّد الأَخير على فرضيته رُكناً" انتهى.

والله أعلم.

المراجع

واجبات الصلاة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android