الأحد 23 ربيع الآخر 1443 - 28 نوفمبر 2021
العربية

شرح ما ورد في حديث اختصام الملأ الأعلى :" فعلمت ما في السموات والأرض".

273377

تاريخ النشر : 07-11-2017

المشاهدات : 86296

السؤال

عن ابن عباس عن النبي أنه قال : ( أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة ، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت : لا ، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات وما في الأرض ، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت: نعم في الكفارات والدرجات ، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات ، والمشي على الأقدام إلى الجماعات ، وإسباغ الوضوء في المكاره ، قال: صدقت يا محمد ، ومن فعل ذلك عاش بخير ، ومات بخير ، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ، وقال: يا محمد إذا صليت فقل : اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وتتوب علي ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ، والدرجات: إفشاء السلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والناس نيام ) . رواه الإمام أحمد (16026) ، والترمذي (3159) ، وقال : "صحيح حسن الإسناد" . يرجى شرح : ( فعلمت ما في السموات وما في الأرض ) ، يرجى إعطاء إجابة مفصّلة حول هذه المسألة بحيث يصبح الأمر كله واضحاً.

الجواب

الحمد لله.

أولا :

هذا الحديث يروى عن جمع من الصحابة منهم ( معاذ بن جبل ، عبد الله بن عباس ، أنس ، ثوبان ، أبو هريرة ، عبد الرحمن بن عائش على خلاف في صحبته ، جابر بن سمرة ، أبو عبيدة بن الجراح )

وأشهر هذه الطرق طريق معاذ وابن عباس وعبد الرحمن بن عائش .

وقد أخرجه الترمذي في "سننه" (3235) من طريق مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: احْتُبِسَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجَوَّزَ فِي صَلاَتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا: عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَدَاةَ: أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلاَتِي فَاسْتَثْقَلْتُ ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لاَ أَدْرِي رَبِّ ، قَالَهَا ثَلاَثًا قَالَ: فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ ، وَالجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ ، قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَلِينُ الكَلاَمِ ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قَالَ: سَلْ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا.

وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (3484) من طريق أبي قلابة عن ابن عباس ، والدارمي في "سننه" (2195) من طريق عبد الرحمن بن عائش ، والطبراني في "الدعاء" (1416) من طريق أبي عبيدة بن الجراح ، وابن أبي عاصم في "السنة" (470) من طريق ثوبان ، والطبراني في "المعجم الكبير" (1/317) من طريق أبي رافع ، والدارقطني في "الرؤية" (257) من طريق أبي هريرة ، وابن أبي عاصم في "السنة" (465) من طريق جابر بن سمرة ، وأبو بكر النجاد في "الرد على خلق القرآن" (78) و (79) من طريق أبي أمامة وأنس رضي الله عنهم .

وهذا الحديث قد اختلف أهل العلم في صحته اختلافا كبيرا ، حيث أنه يروى من عدة طرق كما تقدم ، ولا يخلو طريق منها من خلافٍ على رواته ، وضعفٍ في نقلته ، مما جعل أكثر أهل العلم يحكم بضعفه واضطرابه .

فمن هؤلاء الإمام أحمد في رواية كما في "بيان تلبيس الجهمية" لابن تيمية (7/217) نقلا عن "العلل" للأثرم أنه قال بعد أن ذكر روايات الحديث  :" وأصل الحديث واحد ، وقد اضطربوا فيه ". اهـ ، والإمام الدارقطني حيث قال في "العلل" (6/57) بعد إيراده طرق الحديث :" لَيْسَ فِيهَا صَحِيحٌ ، وَكُلُّهَا مُضْطَرِبَةٌ ". اهـ ، وقال ابن خزيمة في التوحيد (2/546) :" فليس يثبت من هذه الأخبار شيء ". اهـ ،  وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/156) :" وَالرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْبَابِ فِيهَا لِينٌ وَاضْطِرَابٌ ". اهـ ، وقال محمد بن نصر المروزي في "مختصر قيام الليل" (ص55) :" هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اضْطَرَبَتِ الرُّوَاةُ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَلَيْسَ يَثْبُتُ إِسْنَادُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ ". اهـ ، وقال الخطيب في "تلخيص المتشابه" (1/302) بعد روايته الحديث وذكره لطرقه والخلاف على رواته فيه قال :" وَلا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ ". اهـ ، وقال البيهقي في "الأسماء والصفات" (2/72) بعد روايته طريق عبد الرحمن بن عائش :" وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَكُلُّهَا ضَعِيفٌ " . اهـ ، وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1/34) :" أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة " . انتهى .

ومنهم من يحكم على بعض طرقه بالضعف والاضطراب كما قال العلائي في جامع التحصيل (435) عن طريق معاذ :" وفيه اضطراب كثير ". انتهى .

ومنهم من صحح بعض طرق الحديث وهو طريق مالك بن يخامر عن معاذ ، إحدى الطرق عن معاذ بن جبل ، كالإمام أحمد في رواية أخرى كما في "الكامل" لابن عدي (8/61) ، والإمام البخاري كما في "سنن الترمذي" (3235) ، وقد صححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (3169) .

وينظر للفائدة: "اختيار الأولى، شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" لابن رجب ، حاشية المحقق، جاسم الفهيد الدوسري (34-36) .

ثانيا :

على تقدير صحة الحديث ، وثبوته في نفس الأمر : فليس هناك إشكال في تلك الجملة التي ذكرها السائل الكريم ، وبيان معناها كما يلي :

أولا : وردت هذه الجملة بعدة ألفاظ ، منها ( فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ  ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، فعلمت ما بين المشرق والمغرب ، فَمَا سَأَلَنِي عَنْ شيء إلا علمته )، وفي بعض الروايات : لا ذكر لشيء مما سبق ، ومدلولات هذه الألفاظ ليست سواء كما هو واضح بين .

ثانيا : مما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم كل شيء ، هذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، والأدلة عليه متكاثرة ، فإنه لا يعلم الغيب قطعا إلا ما أطلعه الله عليه كما في قوله تعالى :     ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) . الأعراف /187، 188 ، وكما في قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) لقمان/34 ، وكما أنه لم يعرف المنافقين حتى أخبره الله بهم كما في قوله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ..) التوبة/101 ، وكما في حديثه الذي أسره لبعض أزواجه ثم حدثت به وأعلمه الله بالأمر كما في قوله تعالى : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الخبير ). التحريم/3 ، وكما أنه لم يعرف أن الشاة مسمومة كما في الحديث وفيه أنه قال لأصحابه :" "ارفعُوا أيديكم ؛ فإنها أخبرتني أنها مسمومةٌ" . أخرجه أبو داود في "سننه" (4512) ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحوض : ( أَلاَ إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ). أخرجه البخاري (4625) ، ومسلم (2860) ، وغير ذلك كثير .

ثالثا : بالنسبة لألفاظ الحديث فإن هناك احتمالين : الأول : أن يكون الله أعلمه ما هو كائن فقط ، أي : ما هو موجود حينئذ في السموات والأرض ، أو بين المشرق والمغرب .

والاحتمال الثاني : أن يكون الله أعلمه جواب ما سأله عنه فقط ، وهو ما يختصم فيه الملأ الأعلى ؟

قال القاري في مرقاة المفاتيح (2/626) : " (فَتَجَلَّى) ، أَيِ: انْكَشَفَ وَظَهَرَ (لِي كُلُّ شَيْءٍ) ، أَيْ: مِمَّا أَذِنَ اللَّهُ فِي ظُهُورِهِ لِيَ ، مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ مُطْلَقًا ، أَوْ مِمَّا يَخْتَصِمُ بِهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى خُصُوصًا ". اهـ

ولو سلمنا بالاحتمال الأول ، وهو أن الله أعلمه ما هو كائن وموجود حينئذ في السموات والأرض، فهذا لا إشكال فيه ، حيث إنه إعلام وقتي بما هو كائن وموجود ، وليس إعلاما مطلقا بما هو ممكن أو غير ممكن مثلا حينئذ ، فضلا عن أنه ليس إعلاما بما كان أو بما سيكون . ويشبه ذلك ما قاله الله في حق خليله إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) الأنعام /75 ، ولهذا استشهد لها صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث بعد قوله " فعلمت ما في السموات وما في الأرض " .

رابعا : لا حجة مطلقا في الحديث للقبوريين ممن يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل شيء ، فهذا باطل قطعا كما قدمنا .

قال أبو الحسن الرحماني المباركفوري في "مرعاة المفاتيح" (2/435) :" اعلم أنه قد استدل بعض القبوريين في هذا الزمان بقوله: فعلمت ما في السموات والأرض، على ما ابتدعوا واعتقدوا من أن الله تعالى قد خص نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - من بين الأنبياء بعلم جميع ما كان من بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، فكان علمه - صلى الله عليه وسلم - عند هؤلاء محيطاً بجميع الأشياء ، حقائقها وعوارضها وصفاتها ، إحاطةً تامةً كليةً بتعليم الله تعالى وإلهامه ، كما أنه تعالى أحاط بكل شيء علماً ، ولا فرق بين علمه تعالى ، وعلم رسوله - عندهم - إلا أن علم الله ذاتي وحقيقي ، وعلم رسوله ليس بذاتي ، بل وهبي ، حصل له بتعليم الله ، وانكشف له الأشياء بإلهامه .

وهذا كما تراه مخالف للعقل والنقل من النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتصريحات السلف الصالح من الصحابة والتابعين والمحدثين ، وفقهاء المذاهب الأربعة ، وغيرهم.

قالوا في وجه الاستدلال: أن لفظه "ما" في الحديث للعموم الاستغراق ، فتعم جميع الممكنات ، من الموجودات والمعدومات ، وذوات العقول وغيرها، بل تشتمل الواجبات والممتنعات أيضاً!!

قلت: استدلالهم هذا مخدوش من وجوه ، بل باطل :

الأول: أن لفظة "ما" في أصل الوضع لغير ذوى العقول عند المحققين ، فيخرج من مفهومها ذوات العقول ، كما يدل عليه قصة ابن الزبعري في قوله تعالى: ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) [98:21] ، وعلى هذا فلا تكون الرواية دليلاً على كون علمه - صلى الله عليه وسلم - محيطاً بجميع الأشياء إحاطة كلية.

والثاني: أن من ذهب إلى كونها شاملة لذوي العقول ، وهم الأكثر من علماء الأصول ، قد صرحوا بأنها إنما تشمل صفات من يعقل فقط لا ذواتهم ، أعنى أن ذوات من يعقل خارجة من مفهومها عندهم أيضاً ، بحسب أصل الوضع ، فلا تشملها إلا بقرينة ، ولا قرينة ههنا تدل على ذلك ، بل الأمر بالعكس كما سيأتي ، فبطل بذلك دعوى العلم الكلي له - صلى الله عليه وسلم -.

والثالث: أن قوله: في السموات والأرض ، في الحديث يدل على أن المراد بلفظه "ما" إنما هي الممكنات فقط ، لا الواجبات والممتنعات ، وذلك لأن تقدير الكلام: فعلمت ما هو كائن ، أو ثابت ، أو متحقق ، أو موجود ، أو حاصل ، أو مستقر ، أو حادث في السموات والأرض. وهذا إنما هو شأن الممكن بالإمكان الخاص، لا الواجب والممتنع ، وهذا يبطل دعوى القبوريين بكون علمه عليه السلام كليا محيطا بجميع الأشياء.

والرابع: أن سياق الحديث يدل على أن لفظة ما ههنا ليست للعموم والاستغراق ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد بين ذلك ، باستشهاده بقوله تعالى: ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) [75:6] : ما علمه الله عز وجل في المنام ، وهو عجائب السموات والأرض فقط، لا جميع ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، وإلا يلزم أن يقال: إن إبراهيم عليه السلام أيضاً كان عالما بجميع الأشياء بعلم كلي محيط إحاطة تامة ، ويبطل بذلك دعوى الخصوصية ، وهو خلاف ما ذهب إليه القبوريون من أن ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، فلا مناص من أن يقال: إن لفظة "ما" في الحديث ليست للعموم والاستغراق.

والخامس: أنه قد ثبت بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة عدم علمه - صلى الله عليه وسلم - ببعض الأشياء كما يدل عليه قوله تعالى: (مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) [101:9] وقوله: (وما علمناه الشعر، وما ينبغي له) [69:36] وقوله: (قل إنما علمها عند ربي) [187:7] وقوله عليه السلام (أنتم أعلم بأمور دنياكم) . وقوله: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وقوله في حديث الشفاعة (أحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله تعالى) وفي رواية (فأحمده بتحميد يعلمنيه ربي) وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة .

فعدم علمه - صلى الله عليه وسلم - ببعض الأشياء ، أو ببعض أوصافها : قرينة صريحة على أن لفظه "ما" في الحديث : ليست للعموم والاستغراق، وهو يبطل دعوى القبوريين ". انتهى

وختاما : فإن الله هو العليم بكل شيء ، ومن سواه فعلمه محدود ، علمه الله إياه ، وما جاء في الحديث محل السؤال – إن صح – فبيانه كما قدمنا أنه علم وقتي محدود بزمان معين وأشياء كائنة موجودة ، وليس علما مطلقا في الزمان والأشياء .

والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب