من أصيب بمرض الإهمال النصفي، لزمته العبادات من صلاة وصوم؛ لأن إدراكه معه، وفي الوضوء إن أمكن تنبيهه، ولو بمنبه، إلى غسل أعضائه اليسرى، واستجاب للتنبيه، لزمه ذلك، وإن لم يستجب للتنبيه تيمم عن الأعضاء اليسرى، فإن عجز عن مسح يده اليسرى في التيمم، سقط عنه التيمم، واكتفى بالوضوء في أعضائه اليمنى
المصاب بمرض (الإهمال النصفي) هل تلزمه الصلاة والصوم؟ وكيف يتوضأ؟
السؤال 258022
ما حكم الصلاة والصيام والوضوء لمريض الإهمال النصفي؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
الإهمال النصفي المكاني، أو ما يُعرف بـ "النيغليكت" (Neglect)، هو اضطراب في الانتباه، ينتج عن إصابة دماغية مفاجئة، ويُعرّف بأنه فشل في التوجه الواعي، أو الاستجابة للمثيرات والأشياء الواقعة في نصف المجال المكاني، بعد إصابة نصف الكرة المخية اليمنى، مما يؤدي إلى إهمال النصف الأيسر من العالم (المجال المهمَل)، على الرغم من سلامة القدرات الحسية في ذلك الجانب.
ويؤثر الاضطراب على التمثيلات الذهنية للمجال المكاني، حيث يتجاهل المريض التفاصيل الواقعة على يساره، ويتجلى الإهمال بتجاهل المثيرات البصرية، السمعية، واللمسية في الجانب المهمل، مما يؤدي إلى سلوكيات مثل تناول الطعام من نصف الطبق الأيمن فقط، أو نسخ النصف الأيمن من الرسومات، ويتغير هذا التجاهل عند تخيل وقوفه في نقطة مقابلة.
وقد تكون حالة هذا الاضطراب شديدة، بحيث يفقد المصاب مفهوم اليسار، وقد لا يستجيب حتى للتوجيهات اللفظية مثل "انظر إلى اليسار".
ولهذه الحالة مسميات أخرى يعرف بها مثل:
فَقد التَّحَسس النِّصْفِي، أو العَمَه الشِقِّي: (Hemiagnosia)، عدم الانتباه البصري الأحادي (unilateral visual inattention)، متلازمة الإهمال (neglect syndrome)
انظر: https://neuronup.com/ar/ و
ثانياً:
من خلال المعلومات التي أتيحت لنا، تبين لنا أن هذا المرض لا يلغي إدراك الإنسان بالكلية، ولا يجعله فاقدا للأهلية، فهو يعيش حياة شبه طبيعية، والمشكلة القائمة عنده هي تجاهل الجهة اليسرى من ذاته، ومن الأماكن التي حوله.
وعليه فإن هذا الشخص تلزمه الصلاة، والصيام، ولا يشكل على حالته المرضية فيها شيء.
لكن إن كان يترتب على مرضه، بالنسبة للصلاة خاصة: أنه لا يحرك يده اليسرى، ليضع اليمنى عليها مثلا، أو لا يرفعها عن التكبير، أو حتى لا يضعها على الأرض عن السجود= فإن ذلك كله يسقط عنه، ولا يلزمه شيء مما يتعلق بالجهة اليسرى التي يهملها؛ والواجبات الشرعية تسقط عند العجز عنها.
ويبقى الإشكال في الوضوء: حيث إنه قد يهمل الجانب الأيسر من جسده عند الوضوء ولا يلتفت إليه قهريا، وفي هذه الحالة:
1-إن أمكن تنبيهه لها ممن حوله، أو باستخدام منبه لذلك، وكان يستجيب للتنبيه= لزمه استعمال التنبيه، وبه يحصل المطلوب.
2-وإن لم يوجد من ينبهه، أو كان لا يستجيب للتنبيه، فإنه يؤمر بالتيمم بعد كل وضوء، وهذا التيمم عن الأعضاء اليسرى التي لم يغسلها، كما قاله الفقهاء في نظائره.
قال البهوتي في "كشاف القناع" (1/165): " (فإن كان بعض بدنه جريحا ونحوه) بأن كان به قرح (وتضرر) بغسله ومسحِه بالماء (تيمم له) أي للجريح ونحوه" انتهى.
والتيمم أن يضرب التراب ضربة واحدة يسمح بها وجهه وكفيه.
وينظر: جواب السؤال رقم: (21074)، ورقم: (67614).
وهذا إن كان ينتبه إلى مسح كفه اليسرى بكفه اليمنى، فإن لم ينتبه لذلك، صح وضوؤه بالاقتصار على الأعضاء اليمنى، وتكون أعضاؤه اليسرى كالمقطوعة لا يلزمه فيها شيء.
قال ابن قدامة رحمه الله: "وإن قطعت يده من دون المرفق: غسل ما بقى من محل الفرض. وإن قطعت من المرفق غسل العظم الذي هو طرف العضد؛ لأن غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر. وإن كان من فوق المرفقين سقط الغسل لعدم محله" انتهى من "المغني" (1/91).
وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله: "رجل رجله مقطوعة من الساق، كيف يكون وضوءه هل يتيمم؟ أم يتوضأ؟
فأجاب: يغسل الأعضاء الباقية، الوجه واليدين، والرجل الباقية، مع مسح الرأس قبل غسل الرجل ويكفي، أما المقطوعة فلا، ولا يلزمه شيء عنها، ما دام مقطوعة فوق الكعب، انتهى الموضع، ليس عليه إلا أن يغسل وجهه ويديه مع المرفقين، ثم يمسح رأسه وأذنيه، ثم يغسل الرجل الباقية" انتهى من موقع الشيخ.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "إذا فقد الإنسان عضواً من أعضاء الوضوء، فإنه يسقط عنه فرضه إلى غير تيمم، لأنه فقد محل الفرض فلم يجب عليه، حتى لو ركب له عضو صناعي، فإنه لا يلزمه غسله" انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (11/ 152).
وإنما قدمنا التيمم؛ لأن الأعضاء موجودة، غير مقطوعة، فقياس المسألة على الأعضاء الجريحة التي لا يمكن مسها بالماء أولى من قياسها على الأعضاء المقطوعة، والفرع إن تردد بين أصلين وفيه شبه بكل منهما، فإنه يلحق بأكثرهما شبهاً به.
فإن كان الإشكال سيرد على التيمم أيضا، أي كان عاجزا عن مسح يده اليسرى، فلا فائدة من التيمم، وتنزّل أعضاؤه اليسرى حينئذ منزلة الأعضاء المقطوعة، فيصح وضوءه مع ترك غسل الأعضاء اليسرى.
قال خليل في مختصره: "وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها وتوضأ".
قال الخرشي في شرحه (1/202): " الضمير في مسها عائد على الجراح؛ يعني أن الجراح إذا لم يستطع أن يمسها بوجهٍ، وهي بأعضاء تيممه كالوجه واليدين، فإنه يتركها بلا غسل ولا مسح، كعضو قُطِع، وغسل ما سواها؛ لأنه لو تيمم تركها أيضا، ولا شك أن الوضوء الناقص أولى من التيمم الناقص" انتهى.
وأما الغُسل فلا إشكال فيه، فيكفيه أن ينوي ويسمي ويقف تحت الماء ليعم الماء بدنه، ويتمضض ويستنشق.
وينظر: جواب السؤال رقم: (83172).
وينظر أيضا للفائدة: جواب السؤال رقم: (330665)، ورقم: (140773).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟