الأحد 17 ذو الحجة 1445 - 23 يونيو 2024
العربية

هل يثاب صاحب دار النشر على نشر العلم؟

392302

تاريخ النشر : 11-01-2023

المشاهدات : 10075

السؤال

هل صاحب دار نشر للكتب الدينية العلمية يندرج تحت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أو علم ينتفع به) مثل مؤلف الكتاب نفسه؟

الحمد لله.

أولا :

ما يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (أو علم ينتفع به).

روى مسلم (1631) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ يشمل كل من ساهم في نشر العلم النافع ، سواء في ذلك المؤلف ، أو صاحب المطبعة ، أو من قام بمراجعة الكتاب ... وجميع من ساهم في نشر العلم.

قال المناوي رحمه الله في "فيض القدير" (1/561):

"(أو علم ينتفع به) كتعليم وتصنيف.

قال السبكي : والتصنيف أقوى لطول بقائه على ممر الزمان...

وقال المنذري : ونسخ العلم النافع له أجره، وأجر من قرأه أو كتبه أو عمل به ما بقي خطه، وناسخ ما فيه إثم: عليه وزره، ووزر من عمل به ما بقي خطه" انتهى.

وقال الصنعاني رحمه الله :

"(أو علم ينتفع به) يشمل التأليف والتعليم والكتابة" انتهى من "التنوير شرح الجامع الصغير" (2/208).

وإذا كانت هذه المنزلة العظيمة، إنما تكون في الأصالة لصاحب العلم الذي يورثه غيره، أو يبقى أثره بعد موته؛ فلا شك أن وصول هذا العلم للناس، وبقاء أثره بعد صاحبه، يحتاج إلى إعانة من غير صاحبه، فإذا كان العلم مسموعا، أو مرئيا، فإنه يحتاج إلى من يعين على تسجيله، وتبليغه ونشره. وإذا كان علمه كتبا ألفها، فيحتاج إلى من يعينه في طباعته، ونشرها .. وهكذا؛ وإلا، فصاحب العلم لا يمكنه أن يقوم بذلك كله بمفرده.

والمرجو من فضل الله تعالى، أن يعطي كل من ساهم في حفظ العلم النافع، ونشره: حظه ونصيبه من أجر ذلك العلم النافع، وأن يكون صدقة جاريه له بعد مماته.

وفي الحديث: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ، صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ رواه أبو داود (2513)، والنسائي (3146) وأحمد في "مسنده" (17300) وقال محققوه: "حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده".

سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل طباعة الكتب الإسلامية والقيام بتوزيعها يعتبر من الصدقة الجارية؟

فأجاب:

"طباعة الكتب والأشياء النافعة صدقة جارية ما دام الناس ينتفعون بها، فهي جارية الأجر، جارية الثواب، وقد تتلف هذه الكتب، لكن ينتفع بما نقل منها في كتب أخرى، ثم بما نقل من الكتب الأخرى.

فطباعة الكتب النافعة صدقة جارية لا شك فيها.

لكن ينبغي لمن أراد أن يطبع كتبا ينتفع المسلمون بها أن يستشير أهل العلم الموثوق بعلمهم، ولا يطبع كل كتاب مقدم عليه، ولا يأخذ بقول كل إنسان وهو لا يعرفه...

هذا ما أقوله حول طباعة الكتاب النافعة، أنها من الصدقة الجارية سواء بقيت وانتفع بها مباشرة أو بما نقل منها، أو عالم قرأها وانتفع بها ونشر علمه، فهي من أفضل الأعمال، وأكثرها نفعاً بإذن الله، لكن الذي أرى أنه من الواجب والذي أشير به ألا يقدم أحد من إخواننا التجار على طباعة الكتب إلا بعد مشاورة" انتهى.

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:

"طباعة الكتب المفيدة التي ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم هي من الأعمال الصالحة التي يُثاب عليها الإنسان في حياته، ويبقى أجرها ويجري نفعها له بعد مماته ، ويدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالحٍ يدعو له) رواه مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي والإمام أحمد.

وكل من ساهم في إخراج هذا العلم النافع يحصل على هذا الثواب العظيم، سواء كان مؤلفاً، أو معلما، أو ناشراً له بين الناس، أو مخرجا، أو مساهما في طباعته، كلٌّ بحسب جهده ومشاركته في ذلك.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ بكر أبو زيد.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (11/17).

ثانيا:

لا تعارض بين أخذ صاحب دار النشر أجراً مادياً وإخلاص النية في نشر العلم

كون صاحب دار النشر أو البائع يأخذ أجرا وربحا على عمله، لا يمنع أن يكون له أجره من الله تعالى على نشر العلم النافع ، إن أخلص النية لله تعالى، ولعل هذا هو سبب السؤال. وهذا يشبه تعليم القرآن الكريم مع أخذ الأجرة.

سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: بعض الجيران يرسلون لي الأطفال لتحفيظهم القرآن، ويعطونني بعض المال كمساعدة، وأنا لا أطلبه منهم، وأرفض ولكنهم يصرون على ذلك، ويقولون هو هدية وأنا فعلا أريد الأجر من الله ؟ والآن أصبح كمرتب يرسلونه مع الأطفال دون إشراف مني، فما الحكم جزاكم الله خيرا؟

فأجابوا :

"الأصل جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وإباحته ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله أخرجه البخاري في صحيحه .

وعلى ذلك؛ فإنه يجوز لك قبول ما يقدمه أولياء الأطفال من مال كهدية لك مقابل تعليم وتحفيظ أولادهم القرآن، ولك الأجر الكثير والثواب العظيم من الله تعالى على ذلك، مع إخلاص النية والعمل لله تعالى والحرص على غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس هؤلاء الأطفال.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الشيخ بكر أبو زيد ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ... الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى من "فتاوى اللجنة" (3/112) .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم:(321664). 

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب