من حلف على فعل الكفر أو المعصية هل يكفر أو يكون كفاعل المعصية في الإثم والعقوبة؟

08-11-2021

السؤال 364474

قرأت حديثًا في صحيح مسلم أنّ الحرب سوف تقع قبل قيام الساعة، وأن مجموعة من جيش المسلمين ستهرب، ولن يغفر الله لهم أبدًا، وقرأت حديثاً آخر على موقعكم أنّ من أقسم على ترك الإسلام فهو كما قال، لكن إذا أقسم الإنسان على الهرب فهل يعتبر نفس الشيء كأنّه هرب؛ لأنني سمعت أن الهروب يجعل الإنسان منافقًا، وهل يغفر الله لمن حلف اليمين؟ ومما يجدر ذكره أنّ الإنسان إذا شكّ في أنه قد قال هذه الكلمات على لسانه، لأنّ ذلك حدث قبل فترة من الزمن وكان متأثراً بالوسواس، فإذا قال الشخص: إنه أقسم مثل هذه اليمين، وهو غير متأكد من أنه قد فعل ذلك، فهل يأثم لقوله أنه قد حلف مثل هذا اليمين؟

الجواب

الحمد لله.

أولا:

من شك هل حلف أو لا، لم يلزمه شيء؛ لأن اليقين هو براءة ذمته من اليمين وتبعاتها، واليقين لا يزول بالشك.

والموسوس لو حلف تحت تأثير الوسوسة لم يلزمه شيء أيضا؛ لأنه غير قاصد لليمين.

ثانيا:

من حلف على ترك الإسلام، فله حالتان:

الأولى: أن يكون عازما على ترك الإسلام، فهذا يكفر في الحال.

الثانية: أن يكون علق اليمين على شيء يريد منع نفسه منه، كأن يقول: إن فعل ذلك فهو بريء من الإسلام، أو هو كافر أو يهودي أو نصراني: فهذا لا يكفر، لأنه كاره للكفر ويريد أن يمنع نفسه من شيء، فيشدد عليها بذكر أمر يكره وينفر منه وهو الكفر.

ولكنه إن فعل الشيء الذي حلف عليه: لزمه كفارة يمين. وإن لم يفعله فلا شيء عليه إلا التوبة من الحلف المحرم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"لَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا، أَوْ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَلَا يَكْفُرُ، بَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إنْ أَعْطَيْتُمُونِي الدَّرَاهِمَ كَفَرْت، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ؛ بَلْ يُنَجَّزُ كُفْرُهُ [أي يكفر في الحال بمجرد هذا الكلام]؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ حُصُولَ الْكُفْرِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ" انتهى من "مجموع الفتاوى " (33/199) .

ثالثا:

روى مسلم (2897) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ، فَإِذَا تَصَافُّوا ، قَالَتِ الرُّومُ : خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ . فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ : لَا ، وَاللهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا . فَيُقَاتِلُونَهُمْ ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا ، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ ، أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا ، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ ، إِذْ صَاحَ فِيهِمِ الشَّيْطَانُ : إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ ، فَيَخْرُجُونَ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّهُمْ ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ، ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللهُ بِيَدِهِ ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ .

فالهروب من هذا القتال محرم.

ومن أقسم على الهروب- لو أدرك هذه الحرب- فقد أقسم على فعل محرم، وعليه التوبة من ذلك، ويكفر كفارة يمين احتياطا؛ لكن لا يكون الحالف بذلك كالهارب فعلا.

وكذا من حلف أن يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، فإنه يأثم بحلفه، لكن لا يكون زانيا أو سارقا أو شارب الخمر، فلا يأثم كإثم الزاني، ولا يحد حد الزاني.

وهذا بخلاف الكفر، فمن أقسم أن يكفر كفر في الحال؛ لأن الكفر يقع بالنية، فالعزم على الكفر كفر، والرضا بالكفر كفر، فمن عزم على الكفر كفر في الحال، بخلاف ما ذكرنا من الهرب والزنا إلخ ؛ فإنه لا يقع بمجرد النية، والراضي به لا يأخذ حكمه حكم الفاعل إثما وعقوبة.

وفي "الموسوعة الفقهية" (7/ 301):

" معلوم أن من نطق بكلمة الكفر منجزة، يكون كافرا حالا، متى توفرت شرائط الردة.

ومن علقها على أمر بغير قصد اليمين: يكون كافرا في الحال أيضا، وإن كان ما علقها عليه مستقبلا؛ لأن الرضى بالكفر، ولو في المستقبل : ارتداد عن الإسلام في الحال، وذلك كأن يقول إنسان: إذا كان الغد فهو يهودي، أو إذا شفاه الله على يد هذا النصراني ، فهو نصراني.

وأما من علق الكفر بقصد اليمين : فالأصل فيه أنه لا يكفر، سواء أعلقه على ماض أم حاضر أم مستقبل، وسواء أكان كاذبا أم لم يكن؛ لأنه إنما يقصد المنع من الشرط أو الحث على نقيضه أو الإخبار بنقيضه - وإن لم يكن حقا - ترويجا لكذبه.

فمن قال: إن كلمت فلانة، أو إن لم أكلمها فهو بريء من الإسلام، فمقصوده منع نفسه من التكليم في الصورة الأولى، أو حث نفسه عليه في الصورة الثانية حذرا من الكفر، فلا يكون راضيا بالكفر، ومن قال: إن لم أكن اشتريت هذا بدينار فهو يهودي، وأراد بهذا حمل المخاطب على تصديق ما ادعاه، وكان كاذبا عمدا: لا يكون راضيا بالكفر؛ لأنه إنما أراد ترويج كذبه بتعليق الكفر على نقيضه" انتهى.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم:(326429). 

والظاهر من سؤالك أن الأمر كله يعود إلى الوسوسة، فقد لا يكون هناك قسم أصلا، فإن حصل يقين بوجود هذا القسم، فالواجب التوبة وكفارة اليمين.

والله أعلم.

الأيمان والنذور
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب