بيان معنى (من أوسط ما تطعمون أهليكم)

21-03-2021

السؤال 343890

قال تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.) لماذا أتى الأمر من أوسط ما تطعمون أهليكم، ليس ممن أوسط ما يأكل أهليكم؟ حيث إني أنا لا أطعم أهلي بل هم من يطعمونني، فهل يسقط عني الإطعام ويتبقى الكسوة أو العتق؟ أم ماذا؟ وهل المعنى مقتصر فقط على من يُطعِم؟

ملخص الجواب:

قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} في كفارة اليمين ليس تقييدًا لمن يخرج الكفارة بأنه لا بد أن يكون ممن (يُطعم) أهله، بل هذا من قبيل التوضيح، بأن يكون الإطعام من أوسط ما يأكل الإنسان، أو من أوسط ما يأكل أهله.

الجواب

الحمد لله.

أولًا:

ما هي كفارة اليمين؟

كفارة اليمين على الترتيب الذي ذكره الله عز وجل في سورة المائدة، في قوله عز وجل:  لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  المائدة/89.

فيختار المكفّر واحدة من هذه الخصال الثلاثة، ويفعلها:

  1. إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله،
  2. أو كسوتهم،
  3. أو تحرير رقبة.

ومن فعل واحدة منها فقد برئت ذمته، وفعل ما وجب عليه، فإن عجز عن جميع الخصال الثلاثة، انتقل إلى الصوم، فيصوم ثلاثة أيام.

القدر الواجب في الإطعام

والقدر الواجب في الإطعام هو نصف صاع لكل مسكين، أي كيلو ونصف تقريبا من الأرز ونحوه، وإن كان معه شيء من الإدام فهو أفضل، ويجزئك في ذلك أن تغدي عشرة مساكين، أو تعشيهم. ويكفي في الكسوة قميص (ثوب) لكل مسكين.

ولا يجوز الانتقال إلى الصيام مع القدرة على الإطعام أو الكسوة أو العتق، لقوله تعالى:  فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ  المائدة/89. 

قال ابن المنذر رحمه الله: "أجمعوا على أن الحالف الواجد للإطعام، أو الكسوة، أو الرقبة، لا يجزئه الصوم إذا حنث في يمينه." انتهى من "الإجماع" (ص/ 157).

وينظر جواب السؤال رقم: (178167).

ثانيًا:

لماذا عبر القرآن بلفظ (من أوسط ما تطعمون أهليكم) في كفارة اليمين؟

قوله تعالى:  من أوسط ما تطعمون أهليكم  ليس تقييدًا لمن يخرج الكفارة بأنه لا بد أن يكون ممن (يُطعم) أهله، بل هذا من قبيل التوضيح، بأن يكون الإطعام من أوسط ما يأكل الإنسان، أو من أوسط ما يأكل أهله.

فلأن الإنسان هو الذي سيخرج الكفارة، قيل له: لو كنت مطعمًا أهلك، فماذا ستطعمهم؟وجوابه سيكون ما يخرجه.

ولعل من النكتة في استعمال لفظ " تطعمون "، بدل " يأكل "، والله أعلم: أن المراد هنا هو بيان الفعل الاختياري لمن يطعم في الكفارة؛ فإن من يأكل من إنفاق غيره عليه؛ إنما يأكل ما يأتيه في نفقته، لا يتأتى له في الغالب أن يختار لنفسه. فلم يصلح أن يكون هذا مقياسا لما يراد من الإطعام، وأما المنفق على أهله: فهو الذي يختار العالي، أو الدون من الطعام والنفقه، فردته الآية إلى هذا التقدير؛ فإنه إذا كان يختار لأهله العالي، وأمامه الدون، أو ينفق عليهم من الدون، دون العالي؛ فليكن إطعامه وسطا بين نفقتين؛ فلا هو مطلوب بأن يطعم من أعلى ما يطعم أهله، عند السعة، ولا هو موسع له في أن يطعم من الدون الرديء، ولكن أمر بين أمرين. 

قال ابن العربي رحمه الله: 

" وقوله: تطعمون [المائدة: 89] يحتمل طعامهم بقية عمرهم، ويحتمل غداء وعشاء. 

وأجمعت الأمة على أكلة اليوم وسطا في كفارة اليمين وشبعا في غيرها، إلا أن أبا حنيفة قال: تتقدر كفارة اليمين في البر بنصف صاع، وفي التمر والشعير بصاع.

وأصل الكلام في المسألة: أن الوسط في لسان العرب ينطلق على الأعلى والخيار، ومنه قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143]؛ أي: عدولا خيارا. وينطلق: على منزلة بين منزلتين، ونَصَفٍ بين طرفين، وإليه يُعزى المثل المضروب: " خير الأمور أوساطها ".

وقد أجمعت الأمة على أن الوسط بمعنى الخيار: هاهنا متروك، واتفقوا على أنه المنزلة بين الطرفين، فمنهم من جعلها معلومة عادة، ومنه من قدرها كأبي حنيفة...

وقد زلت هاهنا جملة من العلماء؛ فقالوا: إنه إذا كان يأكل الشعير، ويأكل الناس البر؛ فليخرج مما يأكل الناس. 

وهذا سهو بيِّن، فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير، لم يُكلف أن يعطي لغيره سواه. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صاعا من طعام، صاعا من شعير، صاعا من تمر، في موضع كان فيه الشعير والتمر أكثر من البر، والبر أكثر من الشعير والتمر، فإنما فصل ذكرهما، ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل منها، وهذا مما لا خفاء به.

ونحن نقول: أراد به الجنس والقدر جميعا، وذلك مد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو العدل من القدر. 

وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارة الأذى فرقا بين ستة مساكين. والفرق ثلاثة آصع مجمل قوله: صدقة، ولم يجمل الله سبحانه وتعالى في كفارة اليمين، بل قال من أوسط ما تطعمون أهليكم [المائدة: 89]، وقد كان عندهم جنس ما يطعمون، وقدره معلوما، ووسط القدر مد، وأطلق في كفارة الظهار فقال: فإطعام ستين مسكينا [المجادلة: 4]؛ فحمل على الأكثر. 

وهذه سبيل مهيع، ولم يُرَدَّ مطلق ذلك إلى مقيده، ولا عامه إلى خاصه، ولا مجمله إلى مفسره." انتهى من "أحكام القرآن" (2/157-158). 

ثم لا يخفى ما في التعبير بـ (تطعمون): من حسن المشاكلة بين هذا اللفظ، وصيغة الأمر بإخراج الكفارة: (إطعام)؛ فكل منهما اختار لفظ " الإطعام"، وهو المقصود من الكفارة، ونسبه إلى صاحب اليمين. 

والله أعلم.

الأيمان والنذور
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب