هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرق في تعامله مع الناس بسبب لون البشرة؟

01-04-2024

السؤال 302954

[1596] حدثنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: "جاء عبد فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولا يشعر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد، فجاء سيده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بعنيه)، فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحدا بعد حتى يسأله أعبد هو"، قال: وفي الباب عن بن عباس، قال أبو عيسى حديث جابر حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير. شخص أفريقي أسود نصراني نشر هذا الحديث على الفيس، وكتب محمدا عنصريا، لا يحب السود؛ لذلك استبدل العبدين الأسودين بعبد واحد الذي بايعه. السؤال: لماذا فعل الرسول هذا؟ هل هو حاشاه يكره السود، أو أن العبدين الأسودين كانا مشركين؟ وهل هو يملك عبيدا؟

الجواب

الحمد لله.

أولا:

حتى يمكن للشخص المذكور أو غيره، أن يعترض، أو حتى يطرح سؤالا يستشكل ما ذكر؛ فهو بحاجة إلى أن يثبت أن هذا العبد الذي اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم كان أبيض اللون، ليقول: إنه اشتراه بـ"عبدين أسودين"؛ ودون ذلك خرط القتاد!!

ودليل فساد كلام هذا المعترض: أن المقطوع به من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يفرق بين مقامات الناس إلا بالتقوى، وليس بالهيئة والشكل، امتثالا لما أرسل به.

قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ  الحجرات/13.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟

قَالَ:  أَتْقَاهُمْ  رواه البخاري (3353)، ومسلم (2378).

وروى أحمد (22978) أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع ، فقال :  يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟  قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

فكيف يترك هذه النصوص الصحيحة، القطعية في دلالتها على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفرق بين الناس بناء على اللون أو الجنس، وإنما الفارق بينهم هو تقواهم لله تعالى، ويُذهب إلى احتمال قاله قائله، بناء على ظنه الفاسد، واعتقاده الباطل؟!

وقد اختار صلى الله عليه وسلم مؤذنا له، وهو بلال رضي الله عنه الذي ينسب إلى بلاد الحبشة.

وكان من أحبّ الناس إلى قلبه صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد الذي اشتهر بسواد البشرة.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

" أسامة بن زيد بن حارثة، المولى، الأمير الكبير.

حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاه، وابن مولاه...

وكان شديد السواد، خفيف الروح، شاطرا، شجاعا، رباه النبي صلى الله عليه وسلم وأحبه كثيرا.

وهو ابن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم: أم أيمن، وكان أبوه أبيض... " انتهى من "سير أعلام النبلاء" (2 / 496 - 498).

وكان رضي الله عنه من أحب الناس إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  "أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالحَسَنَ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَحِبَّهُمَا، فَإِنِّي أُحِبُّهُمَا رواه البخاري (3735).

حتى لقّب بحِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: حبيبه، وكان يستطيع أن يفاتحه في الكلام الذي لا يجترئ عليه غيره، لشدة قربه من النبي صلى الله عليه وسلم، كما تشير الحادثة الآتية:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: " أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟... رواه البخاري (3475)، ومسلم (1688).

ثانيا:

وأما الحديث محل السؤال؛ فقد رواه مسلم (1602) عن جَابِرٍ، قَالَ: " جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِعْنِيهِ! ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟ .

وحقيقة الأمر هنا: أن العبد ملك لسيده؛ فلذا لا يجوز أن يبايِع؛ لأنه يكون ملزما بهذه البيعة بطاعة من بايع، فيضيع بهذا حق سيده؛ ولهذا مُنع من البيعة.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى:

" قال العلماء: بيعة العبد لا تجوز؛ لأن العبد مملوك، فلا تنعقد بيعته ويترك مولاه؛ لأن حق المولى مقدم على حق العبد، ولا يصح للعبدِ دِينٌ حتى يؤدي حق الله وحق مولاه، كما جاء في الحديث " انتهى من "المسالك" (7/568).

فلما قدم هذا العبد ولم يشعر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مملوك لغيره؛ وأخذ منه البيعة على الهجرة، ثم جاء سيده يطالب به؛ كان من مكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وكمال جوده؛ أن أمضى لهذا العبد بيعته، فلم يكسر قلبه، ولم يردها عليه بعد إذ بايعه، وفي نفس الوقت لم يفوت على سيده حقه، ويضيع عليه ماله بمجرد تصرف العبد؛ فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم بماله، ليتحقق للعبد ما تمناه من الهجرة وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشتره ليتملكه عوضا عن العبدين الأسودين.

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى:

" قوله: ( فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ ): هذا إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً في تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة.

فحصل له العتق، وثبت له الولاء " انتهى من "المفهم" (4/511).

وأرضى مالك هذا العبد؛ بأن اشتراه منه ولم يطلب هبته.

وأما سبب معاوضته بعبدين وليس بعبد واحد؟

فلم يرد في الحديث بيان السبب، وإذا رغبنا في استنباط سبب محتمل لهذا التصرف؛ فالعقل السليم يفرض أن يكون الاحتمال المقترح موافقا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في تصرفاته، ولا نقترح سببا لا يعضده واقع، أو يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته .

وهناك عدة احتمالات – كلها مقبولة- تدخل في هذا التصرف .

منها : أن من أصول عقود البيوع التي جاء النبي صلى الله عليه وسلم بتأصيلها؛ هو شرط التراضي.

قال الله تعالى :

 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ النساء/29.

وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ رواه ابن ماجه (2185)، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (5/125).

وبناء على هذا؛ فالمحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع العبدين لجلب رضا البائع، وتطييب نفسه بهذه المعاملة.

ويحتمل أن قيمة هذا العبد تفوق قيمة عبد من العبدين الأسودين، فلعله كان يفوق في قوته كل واحد منهما، أو يتقن شيئا من الصنائع لا توجد عندهما، أو يملك من حسن الخلق ومطاوعة سيده أكثر منهما، ونحو هذا.

ويحتمل أن سيد العبد لم يكن يفكر في بيعه، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون موافقة هذا الرجل على البيع حياء وهيبة منه صلى الله عليه وسلم، فزاده في الثمن، ليتحقق الرضا، وتطيب نفسه.

أو يكون مالك العبد هو الذي طالب بهذا الثمن.

وأما مصدر العبدين، فلا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقع في يده وملكه بعض العبيد والإماء، بين الحين والآخر، إما من الغنائم أو الهدايا، وهذا مشهور في سيرته صلى الله عليه وسلم.

والله أعلم.

شروح الأحاديث
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب