الخميس 7 جمادى الأولى 1444 - 1 ديسمبر 2022
العربية

ما حكم تزيين الجدران وكسوتها باللوحات القماشية؟

351350

تاريخ النشر : 12-07-2021

المشاهدات : 4314

السؤال

سمعت أنه يحرم تزيين الجدران بالقماش. هل يشير هذا إلى بساط الحائط المزخرف بشكل خاص أو أيّ قماش مزخرف موضوع على الجدران؟ لغرض الرسم الزيتي، يستخدم الفنانون لوحة قماشية مُعالجة بطبقات متعدّدة من طلاء الجيسو للحفاظ على الدهانات الزيتية ومنعها من التسرّب من خلالها. يتمّ تجفيف الجيسو ثم يتمّ شدّ اللوحة القماشية وتعليقها على إطارات خشبية تستخدم بعد ذلك للرسم عليها. هل الرسم على اللوحة القماشية والتعليق على الجدران جائز في الإسلام؟

ملخص الجواب

1. كسوة الجدران وتزيينها بالستائر إذا لم تكن فيها صور ذوات أرواح فالظاهر أن كراهيتها ليس لكونها من القماش، وإنما لكونها خلاف الزهد في هذه الدنيا، ولما فيها من إسراف للمال فيما لا نفع فيه. 2. رسم اللوحات التي أشرت إليها إذا لم تشتمل على رسوم محرمة، فالأصل فيها الإباحة، واقتناء هذه اللوحات لتعليقها على الجدران، إنما ينهى عنه إذا كان فيه إسراف وهدر للمال

الحمد لله.

أولا:

حكم تغطية الجدران وكسوتها

الثابت في التنفير من تغطية الجدران وكسوتها، هو ما ورد في حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: "رَأَيْتُهُ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ فِي غَزَاتِهِ، فَأَخَذْتُ نَمَطًا فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ، عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَوْ قَطَعَهُ، وَقَالَ:

 إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ  .

قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتُهُمَا لِيفًا، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ" رواه مسلم (2107).

وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: أن هذا الستر كان فيه صور لذوات الأرواح، وهي ممنوعة. 

قال البيهقي رحمه الله تعالى:

(وهذه اللفظة تدل على كراهية كسوة الجدار، وإن كان سبب اللفظ - فيما روينا من طرق هذا الحديث- يدل على أن الكراهية كانت لما فيه من التمثال، والله أعلم." انتهى، من "السنن الكبرى" (15 / 37).

كرواية البخاري (5954) ومسلم (2107) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَتَكَهُ وَقَالَ:  أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ .

وجملة:  إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ  ، لا تفيد التحريم، لكن ذلك لا يمنع أن تدل على الكراهة، وقد استدل بها جمع من أهل العلم على ذلك.

قال النووي رحمه الله تعالى:

"وأما قوله صلى الله عليه وسلم حين جذب النمط وأزاله: (إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين) فاستدلوا به على أنه يمنع من ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب، وهو منع كراهة تنزيه، لا تحريم، هذا هو الصحيح.

وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي من أصحابنا: هو حرام.

وليس في هذا الحديث ما يقتضي تحريمه، لأن حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب ولا مندوب ولا يقتضي التحريم. والله أعلم." انتهى من "شرح صحيح مسلم" (14 / 86 – 87).

وقد ورد أيضا عن طائفة من السلف التشديد في أمر كسوة الجدران، والمنع منها؛ لما فيها من السرف عما يحتاج إليه. 

فعن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أَعْرَسْتُ فِي عَهْدِ أَبِي، فَأَذِنَ النَّاسَ فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِي مَنْ آذَنَ، وَقَدْ سَتَرُوا بِنِجَادٍ أَخْضَرَ [فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ فَدَخَلَ -وَأَبِي قَائِمٌ- فَاطَّلَعَ فَرَأَى الْبَيْتَ مُسَتَّرًا بِنِجَادٍ أَخْضَرَ]، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ؟ فَقَالَ أَبِي: -وَاسْتَحْيَا- يَا أَبَا أَيُّوبَ غَلَبَنَا النِّسَاءُ، فَقَالَ: مَنْ خَشِيتَ أن يغلبه النساء فلم أخشى أَنْ يَغْلِبْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ لك طَعَامًا وَلَا أَدْخُلُ لَكُمْ بَيْتًا ثُمَّ خَرَجَ".

رواه مسدد، كما في المطالب العالية (2223)، وقال محققوه (10/312): "إسناده حسن"، وقال الألباني في "آداب الزفاف": "وهذا سند جيد" انتهى. 

ثانيا:

السبب في كراهة كسوة الجدران

هذه الكسوة للجدران وتزيينها بالستائر، إذا لم تكن فيها صور ذوات الأرواح، الظاهر أن كراهيتها ليس لكونها من القماش، وإنما لكونها خلاف الزهد في هذه الدنيا، ولما فيها من إسراف للمال فيما لا نفع فيه.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وهذا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله امتثالا لما أمره الله به؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فكان يتباعد عنها بكل وجه، ولهذا قال:  مَالِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قال في ظل شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرْكَهَا .

فكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها الملهية الشاغلة عن الآخرة، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره، فإن ذلك كان هو قرة عينه. فكان يحذر من تلمح شيء من متاع الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال..... فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة. وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله: (فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي)." انتهى من "فتح الباري" (2 / 209).

وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

" فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة؛ فإن كان لحاجة من وقاية حر أو برد، فلا بأس به؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما يلبسه على بدنه.

وإن كان لغير حاجة، فهو مكروه غير محرم، وهذا مذهب الشافعي؛ إذ لم يثبت في تحريمه دليل، وقد فعله ابن عمر، وفعل في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وإنما كره لما فيه من السرف، كالزيادة في الملبوس، والمأكول. وقد قيل: هو محرم؛ للنهي عنه. والأول أولى؛ فإن النهي لم يثبت، ولو ثبت لحمل على الكراهة؛ لما ذكرناه" انتهى باحتصار من "المغني" (10 / 204 – 205).

ثالثا:

حكم رسم اللوحات وتعليقها على الجدران

رسم هذه اللوحات التي أشرت إليها إذا لم تشتمل على رسوم محرمة، فالأصل فيها الإباحة.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ، قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ ! إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ من رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:  مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا  فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ"رواه البخاري (2225) ومسلم (2110).

واقتناء هذه اللوحات لتعليقها على الجدران، إنما ينهى عنه إذا كان فيه إسراف وهدر للمال، كما سبق تقريره في علة كراهة كسوة الجدران.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم: (127987)

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب