الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 - 30 نوفمبر 2022
العربية

هل تؤخذ الأحكام الشرعية من قصص الأنبياء الواردة في القرآن؟

345283

تاريخ النشر : 07-12-2021

المشاهدات : 1538

السؤال

سمعت وقرأت أن القصص في القرآن يؤخذ منها أحكاما شرعية، ففي آية ٥٧ - ٥٨ في سورة الأنبياء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمـٰن الرحيم : (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ • فَجَعَلَهُمْ جُذَ ٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ)، فهل يجب علي أن أذهب إلى الكنيسة مثلا، وأكسر الأصنام والصور، واذا كان لا، فما هي العبرة من هذه الآيات؟ وكيف نأخذ الأحكام من القصص؟

الحمد لله.

أولا:

الهدف من ذكر قصص الأنبياء في القرآن 

قصص الأنبياء يراد منها التعريف بحالهم ، وما جرى لهم ، وأخذ العبرة من ذلك، كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  يوسف/111.

والعبر التي تؤخذ من قصصهم كثيرة، كبيان صبرهم، واجتهادهم، وما جرى لهم من الابتلاءات، وكون العاقبة لهم، وبيان أساليب أعدائهم، وطرق خصومهم، وأنه لم تنفعهم قوتهم ولا جبروتهم، وتجدين ذلك واضحا في القصص المطولة كما في سورة الأعراف، وطه،  والأنبياء، والشعراء، والقصص، وقد ذكر الله في سورة الشعراء قصص موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وختم كل قصة بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .

وتأملي العبرة في قصة يوسف عليه السلام ، وما فيها من بيان صبر يعقوب عليه السلام، وفضل العفة، وجزاء المحسنين، والتمكين لهم في الأرض، وخطر الحسد، وغير ذلك من العبر.

قال القرافي رحمه الله : " وقال بعض العلماء : كُلُّ قصةٍ مذكورةٍ في كتاب الله تعالى، فالمراد بذكرها: الانزجارُ عما في تلك القصة من المفاسد التي لابَسَها أولئك الرَّهْط، والأمر بتلك المصالح التي لابسها المحكي عنه" انتهى من " نفائس الأصول " (9/3832).

وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء قبله فقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ الأنعام/90.

وهذا خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده.

ثانيا:

درجات ومراتب إنكار المنكر

جعل الله لنا أسوة خاصة في إبراهيم عليه السلام ، في بيانه للتوحيد ، وإعلانه البراءة من الشرك ومن أهله، كما قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  الممتحنة/4.

وقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الممتحنة/6.

وتكسير الأصنام وهدمها يؤخذ من شريعة إبراهيم عليه السلام، ومن شريعتنا أيضا، كما روى مسلم (969) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ".

ولكن ذلك مقيد بالقدرة ، وعدم ترتب مفسدة أكبر، وهكذا إنكار المنكرات، بصفة عامة، ككسر آلات اللهو، وتسوية القبور المرتفعة، وإزالة الأبنية عليها وغير ذلك.

قال الشيخ زكريا الأنصاري، رحمه الله، في "أسنى المطالب" (2/ 344) : "يلزم المكلف القادر: كسر الأصنام والصليب وآلات الملاهي إزالةً للمنكر، إذ يحرم الانتفاع بها، ولا حرمة لصنعتها، والأصل فيه خبر الصحيحين : (والذي نفسي بيده ليوشكن أن يقوم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير)" انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله :

"  إنكار المنكر أربع درجات :

الأولى : أن يزول ويخلفه ضده [وضده هو المعروف].

الثانية : أن يقِل، وإن لم يزل بجملته .

الثالثة : أن يخلفه ما هو مثله .

الرابعة : أن يخلفه ما هو شر منه .

فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة .

فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج ؛كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله ، كرمي النُّشاب [السهام] ، وسباق الخيل ، ونحو ذلك .

وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية ، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله، فهو المراد ، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك ، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك .

وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها، وخِفت من نقله عنها، انتقالَه إلى كتب البدع والضلال والسحر ، فدعه وكتبه الأولى . وهذا باب واسع .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول : مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر ، فأنكر عليهم من كان معي ، فأنكرت عليه ، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال ، فدعهم .

والمثال الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن تقطع الأيدي في الغزو) رواه أبو داود . فهذا حد من حدود الله تعالى ، وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره؛ من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا ، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم "انتهى من" إعلام الموقعين " (3/12-13).

ودخول الكنائس لتكسير ما فيها من ثماثيل، وطمس ما فيها من صور، يترتب عليه منكر أكبر، عادة، فلا يشرع.

وتبقى العبرة في البراءة من الشرك وبغضه، ثم في إزالته عند القدرة، كما أزال النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام من حول الكعبة.

ثالثا:

أخذ الأحكام من قصص الأنبياء

أخذ الأحكام من قصص الأنبياء، يدخل تحت مسألة "شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟"

وفي ذلك تفصيل.

قال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

"وحاصل تحرير المقام في مسألة "شرع من قبلنا"؛ أن لها واسطة وطرفين:

طرف يكون فيه شرعا لنا إجماعا: وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ثم بين لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ )الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى).

وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا، وهو أمران:

أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلا أنه كان شرعا لمن قبلنا، كالمتلقى من الإسرائيليات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا - صلى الله عليه وسلم - عن تصديقه لا يكون مشروعا لنا إجماعا.

والثاني: ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا ... 

والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء ، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا ، ولم يبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا ، ولا غير مشروع لنا ، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعا لنا ، وهو مذهب الجمهور" انتهى من "أضواء البيان" (2 / 81 - 82).

وينظر: للفائدة جواب السؤال رقم : (314951). 

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب