الاثنين 13 شوّال 1445 - 22 ابريل 2024
العربية

إشارة الوحي إلى المركبات المعاصرة

316870

تاريخ النشر : 24-11-2019

المشاهدات : 41563

السؤال

هل حقا تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بمركبات اليوم؟

الحمد لله.

أولا: في بعض النصوص الشرعية إشارة إلى المركبات المعاصرة

ورد في بعض النصوص الشرعية ما يشير إلى المركبات المعاصرة.

كقول الله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  النحل/8.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" ( وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره.

وأما ما ليس له نظير، فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه، فيذكر أصلا جامعا، يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون، كما ذكر نعيم الجنة ، وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره، كالنخل والأعناب والرمان، وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله: ( فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَان ) ، فكذلك هنا ذكر ما نعرفه من المراكب ، كالخيل والبغال والحمير والإبل والسفن، وأجمل الباقي في قوله: ( وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) " انتهى من "تفسير السعدي" (ص 436).

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

" قوله تعالى: ( وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ )، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول، ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات، تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية: كالطائرات، والقطارات، والسيارات.

ويؤيد ذلك إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك في الحديث الصحيح. قال مسلم بن الحجاج  رحمه الله في "صحيحه" عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( وَاللهِ، لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ ).

ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا)، فإنه قسم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها، وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة.

وفي هذا الحديث معجزة عظمى، تدل على صحة نبوته - صلى الله عليه وسلم -، وإن كانت معجزاته - صلوات الله عليه وسلامه - أكثر من أن تحصر " انتهى من "أضواء البيان" (3 / 265 – 266).

وروى الإمام أحمد في "المسند" (11 / 654) عن عَبْد اللهِ بْن عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ هِلَالٍ الصَّدَفِيَّ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولَانِ: سَمِعْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى سُرُوجٍ، كَأَشْبَاهِ الرِّحَالِ، يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ، لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ، كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ ).

ورواه الحاكم في "المستدرك" (4 / 436) بسنده عن عَبْد اللَّهِ بْن عَيَّاشٍ الْقِتْبَانِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:   سَيَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى الْمَيَاثِرِ حَتَّى يَأْتُوا أَبْوَابَ مَسَاجِدِهِمْ ...   فَقُلْتُ لِأَبِي: وَمَا الْمَيَاثِرُ؟ قَالَ: سُرُوجًا عِظَامًا.

وحسّنه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (6 / 411)، وقال:

" فرواية الحاكم مفسرة للرواية الأولى، وبالجمع بينهما يكون المعنى أن السروج التي يركبونها تكون وطيئة لينة، وأنها (أعني السروج) هي كأشباه الرحال، أي من حيث سعتها...

وأنت إذا تذكرت أن (الرحال) جمع رحل، وأن تفسيره كما في "المصباح المنير" وغيره: " كل شيء يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير "؛ إذا علمت هذا، يتبين لك بإذن الله أن النبي صلى الله عليه وسلم يشير بذلك إلى هذه المركوبة التي ابتكرت في هذا العصر، ألا وهي السيارات، فإنها وثيرة وطيئة لينة كأشباه الرحال.

ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم سماها (بيوتا) في حديث آخر تقدم برقم (93) ، لكن تبين فيما بعد أن فيه انقطاعا.

وإذًا ففي الحديث معجزة علمية غيبية أخرى غير المتعلقة بالنساء الكاسيات العاريات، ألا وهي المتعلقة برجالهن ، الذين يركبون السيارات ينزلون على أبواب المساجد.

ولعمر الله إنها لنبوءة صادقة ، نشاهدها كل يوم جمعة ، حينما تتجمع السيارات أمام المساجد حتى ليكاد الطريق على رحبه يضيق بها، ينزل منها رجال ليحضروا صلاة الجمعة، وجمهورهم لا يصلون الصلوات الخمس، أو على الأقل لا يصلونها في المساجد، فكأنهم قنعوا من الصلوات بصلاة الجمعة، ولذلك يتكاثرون يوم الجمعة، وينزلون بسياراتهم أمام المساجد فلا تظهر ثمرة الصلاة عليهم، وفي معاملتهم لأزواجهم وبناتهم، فهم بحق "نساؤهم كاسيات عاريات "!

وثمة ظاهرة أخرى ينطبق عليها الحديث تمام الانطباق، ألا وهي التي نراها في تشييع الجنائز على السيارات في الآونة الأخيرة من هذا العصر، يركبها أقوام لا خلاق لهم من الموسرين المترفين التاركين للصلاة، حتى إذا وقفت السيارة التي تحمل الجنازة ، وأدخلت المسجد للصلاة عليها، مكث أولئك المترفون أمام المسجد في سياراتهم، وقد ينزل عنها بعضهم ينتظرون الجنازة، ليتابعوا تشييعها إلى قبرها، نفاقا اجتماعيا ومداهنة، وليس تعبدا وتذكرا للآخرة، والله المستعان.

هذا هو الوجه في تأويل هذا الحديث عندي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لي خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي " انتهى. "السلسلة الصحيحة" (6 / 414 - 416).

ثانيا: 

صيغة (تَنَبَّأَ) وقع التعارف ، ومضى استعمالها في الكذابين مدعي النبوة.

جاء في "تاج العروس" (1 / 445 - 446):

" ( وَتَنَبَّأَ ) بالهمز على الاتّفاق، ويقال تَنَبَّى، إِذا (ادّعاها) أي النُّبُوَّة، كما تنبَّى مُسَيْلِمَة الكذّاب وغيره من الدجّالين، قال الرّاغِب: وكان من حقّ لفظه في وضْع اللغة أن يصحّ استعماله في (النَّبِيءِ) ، إِذ هو مُطَاوع نَبَّأَ ، كقول : زَيَّنَه فَتَزَيَّنَ، وحَلاَّه فَتَحلَّى، وجَمَّلَه فَتَجمَّل، لكن لمّا تعُورف فيمن يدّعي النبوّة كذبا ، جُنِّب استعْمَاله في المُحِقّ ، ولم يُسْتَعْمَل إِلاّ في المُتَقَوِّل في دَعْوَاه " انتهى.

وفي هذا العصر أيضا تعارف الناس على استعمال هذه الصيغة (تَنَبَّأَ) على ما يستخرجه الشخص من تصورات للمستقبل ، بإعمال فكره وتحليله للواقع الحاصل، أو بادعائه معرفة علم الغيب .

فالأسلم تجنب استعمال هذه الصيغة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل ما أخبر به من الغيبيات هو وحي من الله تعالى إليه.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب