السبت 16 جمادى الأولى 1444 - 10 ديسمبر 2022
العربية

حول صحة تفسير منسوب إلى عبد الله بن عباس في قوله تعالى " وإذا النجوم انكدرت" .

260670

تاريخ النشر : 20-08-2017

المشاهدات : 11533

السؤال

أود أن أعلم ما مدى صحة هذا الحديث المنسوب لحبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه ، فقد وجدت هذا الحديث في تفسير القرطبي للآية الكريمة رقم 2 من سورة التكوير (وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ) حيث يقول في التفسير: روى أبو صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض ، حتى يفزع أهل الأرض السابعة مما لقيت وأصاب العليا ) ، يعني الأرض ، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت ، وذلك أنها قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى مات من في الأرض ومن في السماوات ، فتناثرت تلك الكواكب ، وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة ؛ لأنه مات من كان يمسكها، ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها ، وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها، وعن ابن عباس أيضا: انكدرت تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها ، والمعنى متقارب. وإنني لأعتقد أن هذا الحديث صحيح ؛ لأن البغوي رحمه الله قد فسر هذه الآية الكريمة بما يناسب هذا الحديث حيث قال: (وإذا النجوم انكدرت) ، أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض ، يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه ، قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم إلا وقع. وأيضاً من المعروف عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنه كان يسأل 30 صحابي بالمسألة سير أعلام النبلاء (3/344) والصحابة عموماً معروف عنهم أنهم ثقة عدول تقبل رواية الواحد منهم ، مصطلح الحديث، ص33 ، قال : إن الصحابة كلهم رضي الله عنهم ثقات عدول تقبل رواية الواحد منهم وإن كان مجهولاً . والله أعلم .

الجواب

الحمد لله.

أولا :

القول المنسوب إلى عبد الله بن عباس رضي الله في تفسير قوله تعالى : ( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) التكوير/2 ، والذي أورده السائل الكريم ، بهذا السياق : لم نقف له على إسناد لابن عباس ، وإنما أورده القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (19/228) ، والنعماني في "اللباب" (20/176)، وغيرهما من المتأخرين من المفسرين .

وجميع من ذكره : لم يذكر إسنادا لهذا التفسير المنقول عن ابن عباس رضي الله عنه .

وقد عزاه غير واحد إلى الكلبي وعطاء ، كما عند الواحدي في "التفسير الوسيط" (4/428)، قال:" قال الكلبي ، وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا ، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض ، وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور ، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة ، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض ، تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة ، لأنه مات من كان يمسكها ". انتهى .

ولم يذكر له إسنادا أيضا .

ثم إن القرطبي إنما نقله عن ابن عباس ، من طريقين كلاهما مرسل .

وبيان ذلك كما يلي :

الأول : طريق أبي صالح عن ابن عباس ، وهو مرسل .

قال ابن حبان في "المجروحين" (2/255) :" أبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع منه شيئا ". انتهى .

وقال ابن عدي في "الكامل" (2/258) :" وَبَاذَامُ هَذَا عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ تَفَاسِيرُ ، وَمَا أَقَلَّ مَا لَهُ مِنَ الْمُسْنَدِ . وَهو يَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .

وروى عنه ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَن أَبِي صالح هذا ، تفسيرا كثيرًا، قدر جزء ؛ وفي ذَلِكَ التَّفْسِيرِ مَا لَمْ يُتَابِعْهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَعْلَمْ أحدًا من المتقدمين رضيه ". انتهى .

الثاني : طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس

وهو مرسل أيضا حيث لم يسمع الضحاك من ابن عباس شيئا ، كما في "المراسيل" لابن أبي حاتم (152) .

ثانيا :

وأما المنقول عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية فقد جاء من وجهين :

الأول : ما أخرجه الطبري في تفسيره (24/133) من طريق علي بن أبي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: 2] يَقُولُ:" تَغَيَّرَتْ " .

وهذا الطريق ، وإن كان فيه انقطاع ، حيث لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس ، كما في المراسيل لابن أبي حاتم (508) وغيره ؛ إلا أن بعض أهل العلم يرى أن الواسطة بين علي بن أبي طلحة وابن عباس هو مجاهد وسعيد بن جبير ، ولذا يقبلون روايته ما لم يكن فيها نكارة أو مخالفة ، قال ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" (1/207) :" وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة ". انتهى .  

الثاني : من طريق مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قال :" تساقطت على وَجه الأَرْض ".

وهذا أورده الفيروزأبادي في "تنوير المقباس من تفسير ابن عباس " (ص502) . ومعلوم أنه جمعه كله من هذا الطريق ، وهو طريق تالف لا يصح ، فيه محمد بن مروان السدي كذاب ، قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (8154) :" تركوه واتهمه بعضهم بالكذب ". انتهى .

وكذلك الكلبي كذاب أيضا ، وتفسيره باطل ، حيث قال الثوري : قَالَ لي الْكَلْبِيّ : مَا سمعته مني عَن أبي صَالح عَن ابن عَبَّاس فَهُوَ كذب ، وقال أَحْمد بن هَارُون سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن تَفْسِير الْكَلْبِيّ فَقَالَ : كذب . قلت : يحل النّظر فِيهِ ؟ قَالَ : لَا " . كذا في "المجروحين" لابن حبان (2/254).

ثالثا :

وأما تفسير الآية في قوله تعالى : ( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) بأن معناها : تساقطت ، فهذا قول كثير من المفسرين كمجاهد ، وقتادة ، والربيع بن خثيم . رواه عنهم الطبري في تفسيره (24/133) .

وهو قول الطبري في تفسيره (24/132) ، وابن جزي في تفسيره (2/455) .

ولكن ذلك لا يدل على صحة الرواية المذكورة عن ابن عباس ، بطولها ، وتفاصيلها ؛ فإن شأن اللفظة المفردة ، التي يدرك تفسيرها من لغة العرب وكلامهم ، يختلف عن تفاصيل الأمور الغيبية ، وما يتعلق بها ، فهذه لا بد لمعرفتها من خبر ثابت ، تقوم به الحجة .

والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: الإسلام سؤال وجواب