الأربعاء 13 جمادى الأولى 1444 - 7 ديسمبر 2022
العربية

كيف نوجه الشباب التائب إلى طريق العلم والاستقامة ؟

224017

تاريخ النشر : 12-01-2015

المشاهدات : 6712

السؤال


العقيدة أوجب الواجبات كما لا يخفى، وسؤالي في أول ما يوجه له الشاب المسلم الذي كان سابقا يقترف المعاصي ليل نهار ثم منَّ الله عليه بالاستقامة، وهو في دولة سكانها مسلمين، هل أول ما يوجه له إتقان العقيدة التي تكفيه ويحفظ المتون في ذلك من الأصول الثلاثة والقواعد الأربع، أم نوجهه إلى الازدياد من الإيمان بالمحافظة على قيام الليل والأذكار والأوراد والقراءة عن الجنة والنار وتدبر القران؟ أم إلى غير ذلك؟ ولو تدلوني أيضا على طريقة تربية النبي ﷺ للصحابة رضي الله عنهم في بدايتهم وما الجوانب التي ركز عليها في بناء الصحابة حتى صاروا خير القرون، لا أخفيكم أن هذا السؤال يؤرقني خاصة وأني محتاج له وغيري كذلك، وجزاكم الله خيرا.

الجواب

الحمد لله.


أولا :
يحسن بنا أن نتوجه بجواب عام شامل ، في كيفية توجيه الشباب المسلم الذي من الله عليهم بالهداية ، ثم يكون قياس الواحد على الجماعة ، فنقول :
- أول شيء يوجه إليه هؤلاء الشباب : إحسان التوبة والرجوع إلى الله ، ونبذ الماضي الأثيم برمته ، والبعد عن المعاصي وأهلها . فإن الثوب المتسخ يحتاج إلى غسله وتنظيفه ، قبل تطييبه وتبخيره .
- وبعد إرشاده إلى تصحيح توبته ، يكون أول اهتمامه ، وجل عنايته : بالاستكثار من الخيرات ، والاجتهاد في فعل الطاعات والحسنات ، وهذا سبيل القرآن وأدبه في مثل ذلك ؛ قال الله تعالى : ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) سورة هود/112-115.
- ثم شغلهم برفقة الخير وصحبة الأخيار ، والإكثار من زيارتهم والتودد إليهم ، لتسلو أنفسهم الماضي وأصحابه .
- ثم هم من بعد ذلك على أنواع شتى ، فمنهم الحريص النهم ، قوي العزيمة ، ومنهم ضعيف الهمة ، ومنهم من فرغ لك وقته ، وسلم لك نفسه ، ومنهم من يكون وقته محدودا ، ولقاؤك به نادرا ، ومنهم المحب للعلم ، ومنهم المحب للعبادة ، ومنهم من بقيت في نفسه بقية من الماضي ، ومنهم من تخلص من ماضيه تماما ، ومنهم الجاد ، ومنهم الهازل اللعاب ، ومنهم سريع الفهم والإدراك ، ومنهم ضعيفه ، ومنهم سريع الحفظ ، ومنهم ضعيفه ، إلى غير ذلك .

فالتعامل معهم يكون بحسب اختلاف قدراتهم الذهنية والإيمانية ، إلا أن الأصل الجامع لكل هؤلاء، خاصة في أول فترة للانتقال : هو شغلهم بالعمل الصالح ، قدر الطاقة ، وتربيتهم على الإيمان العملي ، وملازمة ذكر الله تعالى ، والحرص على الآداب النبوية ، واستعمال ما يطرق القلب والأذن من العلم النافع ، والقول السديد ، في حياة الإنسان ، وهذا توفره مراجعة كتب الأدب والترغيب ، مثل رياض الصالحين ، لا سيما كتاب الأدب منه ، وملازمة ذكر الله آناء الليل والنهار ، ومصاحبة الأخيار .
ثم يكون التنبيه على الأمور العلمية ، والمباحث العقدية ، بحسب ما يظهر من الحال ، ويتوقع من وجود الخطأ ، أو البدعة والانحراف ، ويستحسن أن يكون ذلك في البدء ، تدريجيا ، بحسب المقام والحال .
وقد روى ابن ماجة في سننه (61) عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْد اللَّهِ قَالَ : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" الصحابة أخذوا عن الرسول لفظَ القرآن ومعناه، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردةً عن ألفاظِه بألفاظٍ أُخَر، كما قال جُندب بن عبد الله البَجَلي وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمانَ ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا. فكان يُعلِّمهم الإيمانَ، وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبَر عنه المتلقَّى بالطاعة والتصديق، وهذا حق، فإن حفاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين، فعُلِمَ أن بيانَ معانيه لهم كان أعمَّ من بيان ألفاظه " انتهى، "جواب الاعتراضات المصرية" (12) .
وقال أيضا :
" التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول : أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ، ويملؤه بما يحبه الله ؛ فيفرغه من عبادة غير الله ، ويملؤه بعبادة الله ، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ، ويملؤه بمحبة الله ، وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ، ويدخل فيه خوف الله تعالى ، وينفي عنه التوكل على غير الله ، ويثبت فيه التوكل على الله ؛ وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان ، الذي يمده القرآن ويقويه ، لا يناقضه وينافيه ، كما قال جندب وابن عمر : تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن ، فازددنا إيمانا " انتهى من "مجموع الفتاوى" (10/401) .

فالتربية على معاني الإيمان ، وأعمال الإيمان ، وأحوال الإيمان : مقدَّمة ، ولا شك على دراسة المتون ، وتعليمها ، وحفظها ، لا سيما في حق التائب المنتقل على إلى بيئة الصلاح ، بعد أعمال السوء ، والعصيان .
ثم يكون بعد ذلك التعليم ، والتثقيف ، بحسب حال كل شخص ، وهمته ، وبحسب المقام .

ولو أمكن مدارسة كتاب ميسر نافع في تفسير القرآن ، مثل : "التفسير الميسر" ، وبعده : "تفسير السعدي " ، وأيضا : شرح مبسط لكتاب رياض الصالحين ، فهو خير وبركة إن شاء الله ، وفي أثناء ذلك : تنثر المعاني العقدية ، نثرا ، في أثناء ما يتعرض لها من النصوص الشرعية .

والله أعلم

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب