كيف نرد على من يقول: المخترعات الحديثة لو كان فيها خير لكانت على عهد النبوة؟!

24-07-2023

السؤال 426925

سائل يقول: لو كانت الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الإجتماعي فيها خير لأتت على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم، كما قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه عندما جاءه ذهب كسرى، فقال: لو فيك خير لجئتنا على عهد رسول الله، يا دنيا غري غيري؟

الجواب

الحمد لله.

أولًا:

الوارد في ذلك ليس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس في هذا السياق وليس فيه عبارة: " لو فيك خير لجئتنا على عهد رسول الله"، بل الوارد هو كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (32900) عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: " كان أبي صديقا لقنبر، قال: انطلقت مع قنبر إلى علي، فقال: "يا أمير المؤمنين، قم معي، قد خبأت لك خبيئة"، فانطلق معه إلى بيته، فإذا أنا بسلة مملوءة جامات من ذهب وفضة، فقال: "يا أمير المؤمنين، إنك لا تترك شيئا إلا قسمته أو أنفقته".

فسل سيفه فقال: ويلك، لقد أحببتَ أن تدخل بيتي نارا كبيرة، ثم استعرضها بسيفه فضربها فانتثرت بين إناء مقطوع نصفه وثلثه.

قال: عليَّ بالعُرفاء، فجاءوا، فقال: "اقسموا هذه بالحصص".

قال: ففعلوا وهو يقول: "يا صفراء، يا بيضاء، غُرِّي غيري".

وكما ترى فهناك فرق كبير بين اللفظ والسياق هنا واللفظ والسياق الذي تفضلت به، وبناء على اللفظ والسياق هنا فليس في الكلام حجة لما يقوله السائل.

ثانيًا:

صح من مراسيل الحسن البصري عن عمر عند البيهقي في "السنن" (12812)، أن عمر بن الخطاب قد ألبس سراقة بن مالك ذهب كسرى، وهذا يدل على أن كلام عمر، إن صح، فمقصوده دفع الفتنة عن نفسه؛ لا أنه ينفي الخير والنفع بالكلية عن هذا الذهب.

وبكل حال، فاستخدام المخترعات الحديثة، والتنعم بما فتح الله على عباده من الخيرات، وتطور سبل المعيشة؛ كل ذلك داخل في عادات الناس، وتصرفاتهم الحياتية، وهي في الأصل كلها في دائرة المباح؛ إلا ما دل الدليل على المنع منه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم: فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى...

والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ) ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه ... وهذه قاعدة عظيمة نافعة " انتهى من " مجموع الفتاوى " (29 / 16 – 18).

وكم من باب من أبواب الخير والنفع منَّ الله به على المسلمين عبر مئات السنين ولم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل واحد من علماء المسلمين يومًا لو كان فيها خير لأتت على عهد رسول الله، فالمدارس والمعاهد والمستشفيات والمراكز الإسلامية والجامعات الإسلامية والكتب بشكلها الحديث، ومواد العلم المصورة والمسموعة، كلها لم تأتنا على عهد رسول الله، ولا يرتاب مسلم عاقل فقيه في أن نفع كل ذلك غالب ظاهر.

وقد سئل سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، عن وضع "الميكروفون" فوق منارة المسجد، للأذان، ونحو ذلك، فأجاب برسالة مطولة، جاء فيها:

" وبعد، فإننا لا نرى بأساً بوضع مكبر الصوت الذي يسمى (الميكرفون) في المنارة للتأذين به، وذلك لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة وسلامته من المحذور، ويدل على ذلك أمور:

الأول: أنه مما خلق الله تعالى لنا في هذه الأرض، وقد قال الله تعالى ممتناً على عباده بإباحته لهم جميع ما في الأرض وتسخيره لهم ما في السموات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً). وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه).

ولا ينبغي للعبد أن يرد نعمة الله عليه فيحرم نفسه منها بغير موجب شرعي، فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

ويقول راداً على من يحللون ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).

ويقول ناهياً عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ). وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم - في شأن البصل والكراث -: "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" فكيف يجوز لغيره أن يحرم ما أحل الله.

فإن قال قائل: إن الميكرفون حرام.

قلنا له: ليس لك أن تحرم شيئاً إلا بدليل، ولا دليل لك على تحريمه، بل الدليل كما أثبتنا يدل على حله؛ لأنه مما خلق الله لنا في الأرض، وقد أحله لنا كما تفيده الآية السابقة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).

الثاني: أن من القواعد المقررة عند أهل العلم أن الأصل في الأعيان والمنافع الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على تحريمه، وهذه القاعدة مستمدة من نصوص الكتاب، والسنة.

أما الكتاب: فمن قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا).

وأما السنة فمن قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها وأخبر أن ما سكت عنه فهو عفو".
 والميكرفون مما خلق تعالى في الأرض وسكت عنه فيكون عفواً مباحاً.
 

الثالث: أن قاعدة الشرع الأساسية: جلب المصالح، ودفع المفاسد.

والميكرفون يشتمل على مصالح كالمبالغة برفع الصوت بتكبير الله تعالى وتوحيده، والشهادة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، والدعوة إلى الصلاة خصوصاً، وإلى الفلاح عموماً..." .

ثم قال رحمه الله، بعد كلام:

" وأما توهم بعض الناس أن الميكرفون لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فنقول: ما أكثر الأشياء التي وجدت بعد عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأجمع المسلمون على جوازها، فإن تدوين السنة وتصنيفها في الكتب لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يعارض في جواز ذلك إلا نفر قليل من الصدر الأول خوفاً من اختلاطها بالقرآن، ثم انعقد الإجماع على الجواز بعد ذلك.

وبناء المدارس لم يكن معروفاً على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أجمع المسلمون على جوازه، وتصنيف الكتب في علم التوحيد والفقه وغيرها لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أجمع المسلمون على جوازه، والمطابع التى تطبع الكتب لم تكن معروفة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أجمع المسلمون من بعد حدوثها على جواز طباعة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلام أهل العلم في التفسير وشرح السنة، وعلم التوحيد، والفقه وغيرها بهذه المطابع، ولم يقل أحد إنا لا نطبع بها لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.". انتهى، ملخصا من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (12/168-172).

والحاصل:

أنه لا يوجد أساس لهذا المفهوم، كما أن هذه الفكرة تصد المسلم عن أبواب من النفع والخير كثيرة، مع إقرارنا أنه لا تخلو مواقع التواصل من شر، وفيها مفاسد كثيرة، وإدمانها داء عضال، لكن هذا أمر، وتقرير المنع منها من خلال المبدأ المذكور: أمر آخر.

والمسلم يزن الخير والشر، ويفعل ما يطيقه من طاعة الله، مبتعدًا عن معصية الله ما أمكنه، مستغفرًا لذنبه، شاكرًا لأنعم الله.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (187114)، ورقم: (299630).

والله أعلم

عادات البدعة
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب