الجمع بين الآيات التي فيها نفي سماع أهل النار فيها وبين آيات الحوار معهم المقتضية لسماعهم

14-02-2022

السؤال 372743

كيف نجمع بين قول الله تعالى: (وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ) الأنبياء/100، وبين الآيات التي تخبر أن أهل النار يتحاورون مع الله تعالى، ومع خازن النار، ومع أهل الجنة؟ أليس الحوار يقتضي السماع؟

الجواب

الحمد لله.

قال الله تعالى: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ الأنبياء/100.

وهذا إخبار عن أهل النار أنهم لا يسمعون فيها، وقد جاء ما يدل على سماعهم كحوارهم مع من ذكرت.

وقد روى ابن أبي حاتم "عن ابن مسعود قال: إذا بقي من يخلد في النار، جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله: لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون" نقله ابن كثير في تفسيره (5/ 377).

وهذا يعني أنهم كانوا يسمعون، ثم صاروا لا يسمعون لانعزالهم وانفرادهم في التوابيت.

وهذا أحد التوجيهات للآية.

والتوجيه الثاني: أن المقصود أنهم لا يسمعون شيئا يسرهم.

قال القرطبي رحمه الله: "قيل: في الكلام حذف، والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا، لأنهم يُحشرون صما، كما قال الله تعالى: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما) [الاسراء: 97]. وفي سماع الأشياء رَوْح وأُنس، فمنع الله الكفار ذلك في النار.

وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية.

وقيل: إذا قيل لهم ( قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ )  [المؤمنون: 108] ، يصيرون حينئذ صما بكما، كما قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار من يُعذَّب غيرُه" انتهى من "تفسير القرطبي" (11/ 345).

وقال العلامة الأمين الشنقيطي، رحمه الله:

" قوله تعالى: ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ) الإسراء/97.

هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يبعثون يوم القيامة عميا وبكما وصما.

وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) [مريم/38] .

وكقوله: ( ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ) [الكهف/53] . وكقوله: ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ) [المؤمنون/12] .

والجواب عن هذا من أوجه:

الوجه الأول: هو ما استظهره أبو حيان، من كون المراد مما ذُكر [أي: وصفهم بالعمى والبكم والصمم]: حقيقته، ويكون ذلك في مبدأ الأمر، ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم، فيرون النار، ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.

الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئا يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وروي أيضا عن الحسن كما ذكره الألوسي في تفسيره، فنزَّل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم، لعدم الانتفاع به، كما تقدم نظيره.

الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم:  قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ  المؤمنون/108، وقع بهم ذاك العَمى والصَّمم والبَكَم من شدة الكرب واليأس من الفرج، قال تعالى:  وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ  النمل/85؛ وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدرة." . انتهى، من "دفع إيهام الاضطراب.

 نسأل الله العافية من النار وحال أهلها.

والله أعلم.

الجنة والنار
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب