تاب من التجسس على المسلمين لصالح عدوهم فهل يلزمه التحلل ممن آذاهم؟

31-08-2022

السؤال 286290

لقد من الله تعالى علي من بالهداية، من فترة قصيرة وحتى هذه اللحظة، ورغم التزامي القوي بالدين وبالنوافل وبقيام الليل وغيره من التسبيح والاستغفار، لا أعلم إن مَنّ الله تعالى علي بالمغفرة، والله يعلم كم أنا نادم على ما قترفت من ذنب، وأسأل الله المغفرة؛ لأني كنت قبل سنوات سجنت لدى دولة الاحتلال، ووضعوني في السجن لفترة، ووقتها كنت غير ملتزم بالدين، وقد ضغطوا علي مقابل إخراجي من هذه الزنازين أن أعمل معهم، وقد كنت غافلا، بعد خروجي من السجن طلبوا العمل معهم، وكنت بيني وبين نفسي كم أخاف مما سيطلبون مني، لكن للأسف كان خوفي من عقابهم واكتشافي أكبر من خوفي من الله تعالى، كنت أنقل لهم أحوال المسلمين في المساجد بعض الاحيان أو في العمل، ومنذ فترة قررت بيني وبين نفسي أن أترك هذا الشيء لوجه الله تعالى مهما كانت عاقبة الأمور الدنيوية، فأنا أستحق هذا العقاب؛ لأنني استهنت بالمعصية، والله أعلم كم قد مورس علي ضغط، وكم من عقوبات قد فرضت علي عندما نويت تركهم، أنا أخاف أن أقابل الله يوم القيامة، ومهما كنت قد جمعت من الحسنات، لكن لم أرد مظالم الناس، فأطرح بالنار، إنني أخشى الله تعالى، وهو سبحانه أعلم كم اجتهد في العبادة، وأخشاه، مع العلم كل الذين تكلمت عنهم بالنسبة لجهة الاحتلال قد وضعت عليهم قيودا بمنعهم العمل لديهم، والحمد لله لم يتأذ أحد بأكثر من هذا، إن كلمتهم عما فعلت بهم أخاف أن أسجن، أو أخاف أن يكون مفسدة بديني، ويتركني كل الناس، ويؤذونني إن علمو أني كنت هكذا قديما، فهل يلزمني التحلل ممن آذايتهم؟

الجواب

الحمد لله.

لا يخفى أن التجسس على المسلمين ونقل أخبارهم إلى عدوهم عمل قبيح، ومنكر كبير، يخشى منه على دين صاحبه؛ لما فيه من موالاة أعداء الله ومناصرتهم على المسلمين، وقد قال تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

آل عمران/28 ،29.

فمن خاف من العدو، جاز له أن يصانعهم، وأن يتلطف معهم، لكن من غير أن يعينهم على مسلم.

قال الطبري رحمه الله في تفسيره (6/ 313) : " هذا نهيٌ من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفارَ أعوانًا وأنصارًا وظهورًا ....

ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك "فليس من الله في شيء"، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.

"إلا أن تتقوا منهم تقاة"، إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل" انتهى.

فاحمد الله أن بصرك الله بقبح هذا الفعل، ورزقك التوبة منه، فاثبت على ذلك، واجعل خوف الله تعالى أعظم من كل خوف، واحذر أن تدل على مسلمة ولو بكلمة.

ولا يلزمك إخبار من دللت عليهم؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، بل أكثر من الدعاء لهم، والإحسان إليهم، واستتر بسِتر الله تعالى، وداوم على فعل الصالحات، مع إحسان الظن بالله، ورجاء المغفرة وقبول التوبة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فكل مظلمة في العرض، من اغتيابٍ صادقٍ، وبهتٍ كاذبٍ فهو في معنى القذف؛ إذ القذف قد يكون صادقا، فيكون غيبة، وقد يكون كاذبا فيكون بهتا.

واختيار أصحابنا: أنه لا يُعلمه، بل يدعو له دعاء يكون إحسانا إليه في مقابلة مظلمته، كما روي في الأثر، وهذا أحسن من إعلامه/ فإن في إعلامه زيادة إيذاء له؛ فإنّ تضرُّرَ الإنسان بما علمه من شتمه، أبلغُ من تضرره بما لا يعلم.

ثم قد يكون ذلك سبب العدوان على الظالم أولا؛ إذ النفوس لا تقف غالبا عند العدل والإنصاف .

وفيه مفسدة ثالثة -ولو كانت بحق- وهو زوال ما بينهما من كمال الألفة والمحبة أو تجدد القطيعة والبغضة، والله تعالى أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة، وهذه المفسدة قد تعظم في بعض المواضع أكثر من بعض" انتهى من "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" للسفاريني (2/ 578).

وإذا علم الله صدق توبتك، وحسن إقبالك عليه، رضَّى عنك خصومك يوم القيامة.

واعلم أن الله يقبل توبة عبده ويفرح بها، وأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب، لا كفر ولا غيره، فلا تيأس ولا تبتئس، ولا تُبال بأعداء الله، ولا تُقم لهم وزنا، فأنت الأعلى بإيمانك ويقينك، وأنت الأقرب إلى الله بتوبتك واستقامتك.

وانظر في فضل التوبة ومحبة الله لأهلها: جواب السؤال رقم:(222686)، ورقم:(46683). 

نسأل الله لك العون والقبول والثبات.

والله أعلم.

التوبة
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب