السبب في تسمية المرجئة بهذا الاسم

13-06-2017

السؤال 270087

هل المرجئة ينطبق عليهم هذا التعريف :" وذهب آخرون إلى أن الإرجاء يراد به تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة ، فلا يقضى عليه في الدنيا حكم ما " ، أم هو رأي أهل السنة والجماعة ؟

الجواب

الحمد لله.

اختلف أصحاب المقالات في السبب الذي لأجله سميت المرجئة مرجئة، فقيل في ذلك ما ذكرت.

قال الشهرستاني في الملل والنحل (1/ 139): " الإرجاء على معنيين:

أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ)، أي أمهله وأخره.

والثاني: إعطاء الرجاء.

أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد.

واما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.

وقيل : الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا؛ من كون من أهل الجنة، أو من أهل النار.   فعلى هذا: المرجئة، والوعيدية فرقتان متقابلتان.

وقيل : الإرجاء: تأخير علي رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. فعلى هذا: المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان" انتهى.

فمأخذ من جعل هذا هو الإرجاء: المقابلة بين المرجئة والخوارج، فلما كان الخوارج يحكمون على مرتكب الكبيرة بأنه مخلد في النار، وقد عُلم أن المرجئة تقابل الخوارج، فمن ثم قيل إن الإرجاء هو عدم الحكم على مرتكب الكبيرة بشيء.

وهذا مأخذ ضعيف، وإلا فأهل السنة يرجئون أمر مرتكب الكبيرة كذلك، ويجعلونه تحت المشيئة.

والصواب : أن الإرجاء مأخوذ من تأخير العمل، وإخراجه عن مسمى الإيمان.

هذا مع التسليم بأن أكثر المرجئة-كمرجئة الفقهاء، والكرامية، ومن وافق جهما كالأشعرية والماتريدية- يرون أن مرتكب الكبيرة في الآخرة تحت المشيئة، كما يقول أهل السنة.

قال ابن حزم رحمه الله: " وقال أهل السنة والحسين النجار وأصحابه وبشر ابن غياث المريسي وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن كيسان الأصم البصري وغيلان ابن مروان الدمشقي القدري ومحمد بن شبيب ويونس بن عمران وأبو العباس الناشئ والأشعري وأصحابه ومحمد بن كرام وأصحابه =

أن الكفار مخلدون في النار ، وأن المؤمنين كلهم في الجنة ، وإن كانوا أصحاب كبائر ماتوا مصرين عليها ، وأنهم طائفتان : طائفة يدخلون النار ثم يخرجون منها ، أي من النار إلى الجنة ، وطائفة لا تدخل النار .

إلا أن كل من ذكرنا قالوا : لله عز وجل أن يعذب من شاء من المؤمنين أصحاب الكبائر بالنار ، ثم يدخلهم الجنة . وله أن يغفر لهم ويدخلهم الجنة بدون أن يعذبهم" انتهى من الفصل (4/ 38).

والكلام ليس في حكم مرتكب الكبيرة، ولكن في سبب تسمية المرجئة بذلك.

وفي بيان أن الإرجاء هو تأخير العمل، قال الطبري رحمه الله في تهذيب الآثار (2/ 658):

" إن قال لنا قائل: وما المرجئة؟ وما صفتهم؟

قيل: إن المرجئة: هم قوم موصوفون بإرجاء أمر؛ مختلَف فيما ذلك الأمر؟ فأما إرجاؤه : فتأخيره ، وهو من قول العرب: أرجأ فلان هذا الأمر، فهو يرجئه إرجاء، وهو مُرْجِئُهُ، بهمز، وأرجاه فلان يُرجِيه إرجاء، بغير همز ، فهو مرجيه، ومنه قول الله تعالى ذكره: (وآخرون مرجون لأمر الله) [التوبة: 106] ، يقرأ بالهمز، وغير الهمز ؛ بمعنى : مؤخَّرون لأمر الله، وقوله مخبرا عن الملأ من قوم فرعون: (قالوا أرجه وأخاه) [الأعراف: 111] بهمز أرجه، وبغير الهمز.

فأما الأمر الذي بتأخيره سميت المرجئة مرجئة، فإن ابن عيينة كان يقول فيه، فيما:

حدثني عبد الله بن عمير الرازي، قال: سمعت إبراهيم بن موسى يعني الفراء الرازي قال: سئل ابن عيينة عن الإرجاء، فقال:

الإرجاء على وجهين: قوم أرجَوا أمر علي وعثمان، فقد مضى أولئك .

فأما المرجئة اليوم : فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصلوا معهم، ولا تصلوا عليهم.

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام يعني ابن سلم، قال: سألت سفيان عن تفسير هذا الحديث: " صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية " ؟

قال: هم الذين يقولون الإيمان قول ولا عمل، وقوم يزعمون أن لا قدر...

حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، يقول: سمعت الفضيل يعني ابن عياض يقول:

أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول لا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل "...

والصواب من القول في المعنى الذي من أجله سميت المرجئة مرجئة: أن يقال:

إن الإرجاء معناه ما بينا قبلُ من تأخير الشيء :

فمؤخر أمر علي وعثمان رضي الله عنهما إلى ربهما، وتارك ولايتهما والبراءة منهما، مرجئًا أمرَهما، فهو مرجئ .

ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان ، مرجئَهما عنه، فهو مرجئ .

غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلفين في الديانات في دهرنا ، هذا الاسمَ ، فيمن كان من قوله: الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان من مذهبه أن الشرائع ليست من الإيمان، وأن الإيمان إنما هو التصديق بالقول ، دون العمل المصدّق بوجوبه" انتهى.

وقد استقر المعنى الاصطلاحي للإرجاء عند السلف والأئمة على المعنى الثاني، وهو أن الإرجاء تأخير العمل، وإخراجه عن مسمى الإيمان.

والله أعلم.

مذاهب وفرق
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب