صلب المسيح بين الإسلام والنصرانية

27-04-2015

السؤال 224199

لو قلت لك : إن من قام بالحملة الفرنسية على مصر لم يكن نابليون ، ولكنة كان هتلر لضحكت علي ، وضحك كل الجالسين معك ، لماذا ؟ لماذا لا يكون ما أقوله حقيقيا ؟ هناك أدلة معينة تاريخية يستحيل معها القول بأن من قام بالحملة هو هتلر ، وليس نابليون . وهكذا بالمثل كل العالم بما فيه من يهود ، ورومان ، ومسيحيون ، والجميع ، عندهم من الأدلة القاطعة ، وشهادات الناس ، والتاريخ ، و..... إلخ على اليقين بأن الذي صلب هو المسيح . ثم يأتي شخص واحد ، ليس هو شاهد عيان ، أو باحث ويقول بعد أكثر من 600 سنة على قصة الصلب إن المصلوب لم يكن المسيح ، ولكن شخص آخر . وكيف يترك الله البشر 600 سنة في ضلال وتخبط وبهتان ، ثم يقرر الله بعد ستة قرون كاملة أن يصحح للناس خطأ ظلوا يعبدون الله عن طريقه طوال الـ 600 سنة . ويظل السؤال بلا إجابة ،والسؤال هو : لماذا لم ينزل الله القرآن ، ويرسل محمدا بعد خداع البشر مباشرة ، وليس بعد 600 سنة ، وهم موهومون حيث إنهم يعتقدون بأن المسيح لم يصلب ، وأن الإنجيل محرف ، وقرر الله ترك البشر 600 سنة في الخرافات ، ويعبدونه بطريقة كافرة ؟ لبحث أي قضية يجب طرح المستندات ، وإليك مستنداتنا في القضية ، وكلها تجزم أن المسيح هو المصلوب : حقائق تاريخية وشهادة علماء التاريخ . مخطوطات . شهود عيان هم الحواريون أتباع المسيح . شهادة اليهود . شهادة الرومان . حقائق علمية ( راجع كتاب " كفن المسيح الإثبات العلمي القاطع على صلب المسيح وقيامته ") علم الآثار . علم المخطوطات . شهادة التواتر . تنبؤات التوراة التي تكلمت عن صلب المسيح . الإنجيل وكتابة الأربعة المجمعين على أنه هو المصلوب . كتابات مؤيدة وشاهدة للصلب . حسنا أيها المسلمون . هذه هي أدلتنا في القضية المطروحة أمام المحكمة ، والتي ننظر فيها .

الجواب

الحمد لله.

بداية نطمئنك أيها السائل : أننا لن نضحك عليك إذا أخبرتنا بأن هتلر هو من قام بالحملة الفرنسية على مصر وليس نابليون ، ولن نتهمك تهما كبيرة ؛ غاية ما هنالك أننا سنعتبرك شخصا لديه معلومات مغلوطة ، وسنبين له خطأه ، ونقيم له الأدلة على أن الأمر بعكس ما يقوله ويعتقده .
إننا نرحب في هذا الموقع بكل باحث عن الحقيقة ، فلا مانع لدينا من تلقي الأسئلة والدخول في مناقشات مع أي شخص ، مهما كان الدين أو المذهب الذي يعتقده ؛ بشرط أن يكون ـ حقا ـ باحثا نزيها عن الحقيقة ، موضوعياً في نقاشه ، ملتزما بآداب الحوار والنقاش .

ومع أنك لم تلزم نفسك بهذا الشرط المبدئي ، ولم تتأدب بآداب الحوار – وقد حذفنا من سؤالك ما فيه من سب وشتم وسوء أدب- إلا أننا مع ذلك سنجيبك على سؤالك ، حرصا منا على هدايتك إلى الحق .

لقد تضمن سؤالك مجموعة من المغالطات لا يتسع هذا الجواب وطبيعة الموقع لبيانها تفصيلا ، وسنكتفي بالإشارة إلى بعضها ولو في صورة تقرير – بلا دخول في التفصيلات - ويبقى عليك بعد ذلك الدور الأكبر في البحث عن الحقيقة .

أولا :
قولك : "كل العالم ... والجميع عندهم الأدلة القاطعة ... على اليقين بأن الذي صلب هو المسيح" .
هذا القول فيه قدر كبير جدا من البعد عن الحقيقة ، ولم نعلم أن أحدا ادعى هذه الدعوى من قبل .
فبالقطع ليس كل العالم يؤمن بصلب المسيح ، بل أكثر العالم لا يؤمن بذلك ، فآخر الإحصائيات (عام 2014م) تقول : إن عدد المسيحيين في العالم كله بجميع طوائفهم وكنائسهم نحو 30% من سكان العالم ، وهذا يعني أن هناك ما يقارب من 70% يرفضون ما يقوله النصارى ، أو هم ـ على أقل تقدير ـ لا يعتقدونه ، ولا يؤمنون به .

وكذلك كان الحال أيضا قبل الإسلام ، لم يكن كل العالم في ذلك الوقت ، بل ولا أكثره ، يؤمن بقضية الصلب ، فقد كان هناك العرب الوثنيون ، الذين لم يكن عندهم علم بهذه القضية ، ولم تكن تشغلهم بالهم أصلا ، وكان هناك المجوس عبدة النار ، وكانوا يمثلون في ذلك الوقت دولة عظمى ، وكانوا معادين للنصارى ، منافرين لهم ، دينيا وسياسيا ، وكان هناك من لا يؤمن بدين .... وغيرهم كثير .
فكل هؤلاء لم يكونوا يعتقدون ما يعتقده النصارى ، أو على أقل تقدير : لا تستطيع أنت أن تنسب إليهم ذلك ، أو تضمهم لصف القائلين به ، متى كنت باحثا نزيها ، يحترم نفسه وعقله .

أضف إلى ذلك أن هنالك من طوائف النصارى أنفسهم ، من كانوا يعتقدون أن المسيح لم يصلب ، وأن الذي صلب هو الشبيه ، كما تثبت ذلك المراجع المسيحية نفسها .
قال القديس ألفونسو ماريا دي ليكوري :
" إن من بدع القرن الأول قول فلوري : إن المسيح قوة غير هيولية ، وكان يتبع ما شاء من الهيئات ، ولذا لما أراد اليهود صلبه أخذ صورة سمعان القروي ، وأعطاه صورته فصلب سمعان ، بينما كان يسوع يسخر من اليهود " .
ويقول جون فنتون - شارح إنجيل متى - :
" إن إحدى الفرق الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلا من يسوع ".
وذكر سيوس في كتابه " عقيدة المسلمين في مسائل النصرانية " الفرقة الباسيليدية ، وأنها كانت تنكر الصلب ، وهي من فرق القرن الميلادي الأول .
[أخذنا هذه النقول من كتاب " سلسلة مناظرة مع قسيس : هل صلب المسيح ؟ للدكتور منقذ السقار] .

فكيف يصح بعد هذا أن يقال : إن كل العالم على يقين بقضية صلب المسيح ؟!
فهذه أول مغالطة في سؤالك .

ثانيا :
أما المغالطة الثانية ، فقولك : "ثم يأتي شخص واحد ... ويقول بعد أكثر من 600 سنة بأن المصلوب لم يكن المسيح".
نعم ، هذا الشخص الواحد (وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) ، لو خالفه جميع أهل عصره ، لكان قوله هو الحق الذي يجب الرجوع إليه . لماذا ؟
لأنه قد قامت الأدلة القطعية الكثيرة (بالمئات) على أنه رسول الله حقا ، وإذا ثبت أنه رسول الله ، فالرسول لا يكذب ، لأنه يتلقى أخباره من الله عز وجل .
وإذا جاز أن يكذب نبي واحد ، جاز ذلك على الأنبياء جميعا ، فبطلت النبوات والرسالات من أساسها .
وقد أقر له بالنبوة زعماء أعدائه في عصره –ومنهم من آمن به ، ومنهم من استمر على دينه- ، كزعماء مشركي العرب ، وزعماء اليهود ، وزعماء النصارى ، كهرقل ملك الروم ، والنجاشي ملك الحبشة ، فضلا عن آلاف من رجال الدين المسيحي الذين أسلموا ، ولا يزالون يسلمون ، مما لا يمكن حصرهم ، حتى وصل الإسلام إلى أعلى المستويات الكنسية في العالم ، فوصل إلى بعض مساعدي بابا الفاتيكان ، وبعض القساوسة الذين رأسوا منظمات تنصيرية كبرى في أفريقيا وغيرها ، ووصل إلى بيوت الكهنة أنفسهم ، إما بإسلامهم ، وإما بإسلام زوجاتهم وأولادهم .
فابحث عن دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بحثَ شخصٍ يريد الحقيقة ، ويعلم أنه لا نجاة له يوم القيامة إلا باتباعها ، والحق واضح ، عليه أمارات تدل عليه ، وإذا علم الله منك الصدق في البحث عن الحقيقة ، وبذلت وسعك في هذا فسيوفقك الله تعالى لبلوغها ، وهو ما ندعو الله أن يوفقك إليه .

ثم إن انفراد هذا الرجل (وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) بهذا الخبر – كما ظننت- ومخالفته لأهل الكتابين جميعا ، دليل أنه رسول الله ، يتكلم بما جاءه من الوحي ، ولا يداهن أحدا ، ولا يأتي بأقوال من تلقاء نفسه . قال الله تعالى : (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) يونس/15.

وقد ذكر اللواء أحمد عبد الوهاب علي (وهو أحد المهتمين بمناقشة اعتقادات النصارى) وجه كون ذلك من دلائل صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال :
" لو أن القرآن كان من عند غير الله ، وأن بشرا من الأرض قد افتراه كذبا على الله ، وادعى أنه أوحي إليه ، أما كان الأولى به ، والأيسر لرواج دعوته : أن يقول بصلب المسيح ، باعتبار ذلك شائعا ومعروفا بين الناس . وفي تلك الحال فإنه يستميل النصارى إليه ، ويقلل من المشاكل والعقبات التي تعترض قبولهم الإسلام ؟! " .
انتهى من " مناظرة بين الإسلام والنصرانية " (ص: 63).

ثالثا :
المغالطة الثالثة هي قولك : "شهود عيان على حادثة الصلب هم الحواريون أتباع المسيح" .
وهذا يدل على أنك لم تقرأ كتابك ، ولم تعرف ما فيه ، وإنما تندفع في كلامك اندفاعة حَدِّيًا ، متشنجا ، بعيدا عن العلم ، وعن المنهج المنطقي في التفكير والبحث .
فكتابك الذي تؤمن به يقول : إن الحواريين (تلاميذ المسيح) لم يروا عملية الصلب ، بل كانوا في ذلك اليوم هاربين مستخفين من أعدائهم ، فكيف يكونون شهود عيان لشيء لم يروه؟!
ونحن ننقل من كتابك وكلام علمائك ما يدل على ذلك :
يقول مرقس : "وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة . اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل. وأخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم" (15: 40 -41) .
وكذلك يقول متى في (27: 55 -56) .
ويقول لوقا : "وكان جميع معارفه ونساء كن تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك" . (23: 49) .
ويقول يوحنا : "وكانت واقفات عند صليب يسوع : أمه ، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ، ومريم المجدلية " (19: 25) .
ويقول جون فنتون : "لقد هرب التلاميذ عند القبض على يسوع ، ورغم أن بطرس قد تبعه من بعيد إلى فناء دار رئيس الكهنة ، فإننا لا نسمع عنه شيئا أكثر من هذا ، بعد إنكاره ليسوع.
إن مرقس ومتى ولوقا يخبروننا أن شهود الصلب كن نساء تبعن يسوع من الجليل إلى أورشليم ، وقد رأين دفنه ، واكتشفن القبر خاليا صباح الأحد ، وقابلن يسوع بعد قيامته .
ويعلق العلماء على ما قاله يوحنا عن وجود مريم أم المسيح عند الصليب بقولهم : إنه من غير المحتمل أساسا أن يكون قد سمح بوقوف أقارب يسوع وأصدقائه بالقرب من الصليب .
كذلك تقول دائرة المعارف البريطانية تعليقا على اختلاف الأناجيل في شهود الصلب : نجد في الأناجيل (الثلاثة) المتشابهة أن النساء فقط تبعن يسوع، وأن القائمة التي كتبت بعناية واستفاضة لا تضم والدته - وأنهن كن ينظرن من بعيد .
ولكن في يوحنا نجد أن والدته مريم تقف مع مريمين أخريين والتلميذ المحبوب تحت الصليب ، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ المحبوب إلى خاصته .
هذا بينما لا تظهر والدته في أورشليم - حسبما ذكرته المؤلفات القديمة - إلا قبيل عيد العنصرة وفي رفقة إخوته (أعمال الرسل 1: 14)" .
انتهى نقلا من كتاب "مناظرة بين الإسلام والنصرانية" ص( 107) .

إذن .. فعلى ما ذكره كتابك : فعملية الصلب لم يحضرها تلاميذ المسيح قطعا ، وإنما حضرها بعض النساء ، مع اختلاف الأناجيل في عدد هؤلاء النسوة وتعيينهن .

رابعا :
أما المغالطة الرابعة فقولك : "شهادة التواتر ".
فالتواتر معناه أن يخبر عدد كثير عن مثلهم عن مثلهم ، حتى ينتهي الخبر إلى عدد كثير أيضا ممن شهدوا الواقعة ، وأخبروا عنها .
وهذا غير موجود في قضية الصلب ، كما سبق بيانه في الفقرة السابقة ، فإن أحدا من أتباع المسيح لم يحضر الصلب ، إلا بعض النساء ، مع التشكيك أيضا في رواية بعض الأناجيل لهذا الموقف ، وهذا التشكيك هو من علماء النصارى أنفسهم .
فإذا لم يحضر الصلب إلا عدد قليل من النساء ، وقفن من بعيد ، ونظرن ، وهذا لا يتيح لهن فرصة التحقق من الشخص المصلوب ، وكان هناك أيضا بعض أعدائه الذين صلبوا الشبيه وهم يظنون أنه المسيح ، فلا يصح أن يقال بعد ذلك : إن صلب المسيح قد نقل بالتواتر .
قال الإمام ابن حزم رحمه الله :
" نظرنا فيمن نقل خبر صلب المسيح عليه السلام ، فوجدناه كواف [أعدادا كثيرة] عظيمة صادقة بلا شك في نقلها ، جيلا بعد جيل ، إلى الذين ادعوا مشاهدة صلبه ، فإن هنالك تبدلت الصفة ، ورجعت إلى شُرَطٍ [حراس] ، مأمورين مجتمعين ، مضمون منهم الكذب ، وقبول الرشوة على قول الباطل .
والنصارى يقرون بأنهم لم يقدموا على أخذه نهارا خوف العامة ، وإنما أخذوه ليلا عند افتراق الناس عن الفصح ، وأنه لم يبق في الخشبة إلا ست ساعات من النهار ، وأنه أنزل إثر ذلك ، وأنه لم يصلب إلا في مكان نازح عن المدينة، في بستان فخار ، متملك للفخار ، ليس موضعا معروفا بصلب من يصلب ، ولا موقوفا لذلك ، وأنه بعد هذا كله رشي الشرط [أعطوهم رشوة] على أن يقولوا : إن أصحابه سرقوه ، ففعلوا ذلك ، وأن مريم المجدلانية - وهي امرأة من العامة – لم تقدم على حضور موضع صلبه ، بل كانت واقفة على بعد تنظر ، هذا كله في نص الإنجيل عندهم . فبطل أن يكون صلبه منقولا بكافة ، بل بخبر يشهد ظاهره على أنه مكتوم متواطأ عليه .
وما كان الحواريون ليلتئذ بنص الإنجيل إلا خائفين على أنفسهم ، غيبا عن ذلك المشهد ، هاربين بأرواحهم ، مستترين ، وإن شمعون الصفا ، دخل دار قيقان الكاهن أيضا بضوء النهار ، فقال له : أنت من أصحابه . فانتفى وجحد وخرج هاربا عن الدار .
فبطل أن يَنقل خبرَ صلبه أحدٌ تطيب النفس عليه أن تظن به الصدق ، فكيف أن ينقله كافة؟! " انتهى من " الفصل في الملل والأهواء والنحل " (1/55-56).

خامسا :
أما المغالطة الخامسة فقولك : "إن الأناجيل الأربعة مجمعة على أن المصلوب هو المسيح" .
وقبل بيان هذه المغالطة ، نريد فقط أن نلفت نظرك إلى أن الأناجيل الأربعة (إنجيل مرقس ، ومتى ، ولوقا ، ويوحنا) ليست كلها من تأليف الحواريين (تلاميذ المسيح) ، فمرقص ولوقا ليسا من الحواريين ، بل هما من تلاميذ الحواريين ، ومتى ويوحنا قد قيل : إنهما من الحواريين ، وشكك بعض علماء الدين النصراني في ذلك .
وليس هذا موضع التفصيل في هذه القضية ، ولكن أردنا –فقط- أن نلفت نظرك إليها لتقوم بالبحث بعد ذلك عمن ألفوا الأناجيل .

أما الرد على هذه المغالطة ، فقد سبق أن أحدا من تلاميذ المسيح لم يشهد حادثة الصلب ، وإنما نقلت لهم كما نقلت لغيرهم ، وبناء على ذلك : فكَتَبَة الأناجيل لم يحضروا هذه الحادثة قطعا ، ولم يخبروا عن شيء رأوه حتى يلزمنا تصديقهم ، وإنما نقلوا أخبارا تناقلها الناس في عصرهم ، ولا يلزم أن تكون تلك الأخبار صادقة ، بل يجب تمحيصها ، إذ يحتمل أن تكون صدقا ، ويحتمل أن تكون كذبا .

وإذا نظرنا فيما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه ، فسوف نجدها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء .
ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن حادث القبض وملابساته - المحاكمات - توقيت الصلب (اليوم والساعة) - صرخة اليأس على الصليب - شهود الصلب ، القيامة من القبر ...إلخ . كل ذلك وغيره كثير ، يكفي للقول بأن الأناجيل اختلفت فيما بينها اختلافا بعيدا . مما يفقد الثقة في هذه الأقوال جميعا ، فلا يدري الباحث بأي الأناجيل يأخذ وأيها يرفض ؟
انظر : " مناظرة بين الإسلام والنصرانية " (ص: 105-108).

سادسا :
أما قولك : "لماذا ترك الله البشر 600 سنة في الخرافات ويعبدونه بطريقة كافرة".
فقد بينا لك من قبل أن نسبة هذا الاعتقاد إلى "البشر" ، أو إلى "أكثر البشر" : هي نسبة كاذبة!!
وأما صنف من البشر يعتقدون أمرا ما باطلا ؛ فمتى خلا الزمان في بني آدم من أمثال هؤلاء؟! ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

ثم نقول لك : وهذا أيضا مغالطة أخرى ... إذ مجرد اعتقاد الإنسان -قبل مجيء القرآن- ، أن المسيح صلب لا يعد كفرا ، وذلك لأن المسيح عليه السلام بشر ، لا يمتنع عليه ـ بما هو بشر من البشر ـ أن يقتله أعداؤه ويصلبوه ، كما قتل اليهودُ جماعةً من الأنبياء والرسل قبله ، فقضية الصلب ليست هي القضية التي كَفَر بسببها من كَفَر من النصارى ، وإنما القضية الأساسية لذلك هي : تأليه المسيح واعتقادهم أنه هو الله أو ابن الله .
ولولا مجيء القرآن بنفي الصلب قطعا ، لكان لا حرج على من اعتقده إلى اليوم ، أما بعد مجيء القرآن الكريم ونفيه القاطع لصلب المسيح صار المثبت لصلبه كافرا ، لأنه مكذب لخبر الله تعالى .

فقبل مجيء القرآن : من آمن بالمسيح عليه السلام على أنه بشر ، ورسول من رسل الله الكرام ، ثم اتبعه على توحيده لله وطاعته له فهو ناج فائز عند الله تعالى ، سواء اعتقد أن المسيح صلب أم لم يصلب .
وعلى العكس من ذلك : من اعتقد أن المسيح إله وليس بشرا ، ويقول : هو الله , أو : ابن الله فهو كافر خاسر يوم القيامة الخسران المبين ، سواء اعتقد مع ذلك أن المسيح صلب أم لم يصلب .

ولذلك لم يتطرق القرآن الكريم لمسألة الصلب إلا في بضع كلمات ، قال الله تعالى : ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء/157- 158.
في حين أن قضية وحدانية الله عز وجل الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، كانت حاضرة في القرآن الكريم كله ، إذ هي مدار الإسلام ، ومقصد بعثة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام .
ويتفرع على قضية التوحيد : إبطال تأليه المسيح عليه السلام ، حيث جاءت آيات كثيرة في عدة سور في القرآن الكريم تَرُدُّ ذلك وتبين بطلانه .
قال الله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المائدة/72-75 .
وقال سبحانه : ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) النساء/171.
وقال عز وجل : ( وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة/30-31 ، وآيات أخرى كثيرة في تقرير التوحيد وبطلان تأليه المسيح .

وترتب على هذا الانحراف عن التوحيد وتحريف الدين الصحيح التي جاء به المسيح ترتب على ذلك : تحريفهم للكتاب المقدس "الإنجيل" حتى يوافق تحريفهم لدينهم ، مما ترتب عليه تكفير القرآن الكريم لهم بسبب ذلك التحريف المتعمد لدينهم وكتابهم ، مما أفقده صفة "المقدس" ، إذ لم يعد كذلك بعد أن حرفه البشر بأيديهم .

وبهذا يتبين أن القرآن الكريم لم يكفر من اعتقد صلب المسيح ، والآية الوحيدة في القرآن الكريم التي تحدثت عن الصلب ليس فيها التصريح بتكفير من اعتقد ذلك ، ولا انشغال به ، وإن كان ذلك مقتضاها ، بداهة .
بخلاف من اعتقد ألوهية المسيح فإن آيات القرآن الكريم تدل دلالة صريحة قطعية على تكفيره ، وهذه القضية ، مع الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم : هما القضيتان الجوهريتان بيننا نحن المسلمين ، وبين النصارى .
وقد قال الله تعالى : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران/64.
فالكلمة السواء ، وأساس البحث والالتقاء ، التي ندعو إليها النصارى هي : أن نعبد الله ، ولا نشرك به شيئا ، وهذا يستلزم الإيمان بأن المسيح عليه السلام بشر وليس إلها .
وليست الكلمة السواء التي دعا القرآن إليها النصارى هي الإقرار بعدم صلب المسيح ، بل هذه القضية (قضية الصلب) هي قضية جزئية فرعية ، إذا ما قورنت بالقضية الأساسية التي هي توحيد الله تعالى ، وعدم الشرك به ، والإيمان برسله كافة ، ولا سيما خاتمهم محمدا صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام ابن حزم رحمه الله (ت456هـ):
"لم يلزمِ الناسَ قط قبل ورود القرآن فرضٌ بشيء من ذلك [يعني فيما يتعلق بقضية الصلب] ، لا بإقرار ولا بإنكار ، وإنما كان خبرا لا يقطع العذر ، ولا يوجب العلم الضروري ، ممكن صدق قائله ، فقد قتل أنبياء كثيرة ، وممكن أن يكون ناقله كذب في ذلك ...
ولم ينزل الله عز وجل كتابا قبل القرآن يفرض إقرارا بصلب المسيح صلى الله عليه وسلم ، ولا بإنكاره ، وإنما ألزم الفرض بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه " .
انتهى من " الفصل في الملل والأهواء والنحل " (1/57) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" إذا قيل : إن الحواريين ، أو بعضهم ، أو كثيرا من أهل الكتاب ، أو أكثرهم ، كانوا يعتقدون أن المسيح نفسه صلب ، كانوا مخطئين في ذلك ، ولم يكن هذا الخطأ مما يقدح في إيمانهم بالمسيح إذا آمنوا بما جاء به ، ولا يوجب لهم النار ؛ فإن الأناجيل التي بأيدي أهل الكتاب فيها ذكر صلب المسيح ، وعندهم أنها مأخوذة عن الأربعة : مرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، ومتى؛ ولم يكن في الأربعة من شهد صلب المسيح ، ولا من الحواريين ، بل ولا في أتباعه من شهد صلبه ، وإنما الذين شهدوا الصلب طائفة من اليهود .
فمن الناس من يقول إنهم : علموا أن المصلوب غيره ، وتعمدوا الكذب في أنهم صلبوه ، وشبه صلبه على من أخبروهم ، وهذا قول طائفة من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم ، وهو قول ابن حزم وغيره .
ومنهم من يقول : بل اشتبه على الذين صلبوه ، وهذا قول أكثر الناس .
والأولون يقولون إن قوله : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) [النساء: 157] أي شبه للناس الذين أخبرهم أولئك بصلبه .
الجمهور يقولون : بل شبه للذين يقولون صلبوه " .
انتهى من " الجواب الصحيح " (2/302-304).

وهذا التساؤل: "لماذا ترك الله البشر 600 سنة ... إلخ" هو وارد عليك فيما تعتقده من دينك ، فإنك تعتقد أن الله تعالى ترك البشر مئات الآلاف من السنين أو الملايين – الله أعلم بعددها- مدنسين بخطيئة أبيهم آدم عليه السلام ، حتى قرر مغفرتها لهم بعملية الصلب والفداء .
فلماذا ترك الله البشر كل هذه المدة ؟ وما ذنب الأجيال التي ماتت قبل المسيح حتى لا تتطهر من تلك الخطيئة ؟
والإلزامات ، على هذا السؤال المقدر منك : كثيرة ، كثيرة ...

سابعا :
أما المغالطة السابعة : فتنظيرك خبر صلب المسيح بخبر نابليون ؛ فإن خبر نابليون لا يمكن التشكيك فيه ، لأن هناك مئات الآلاف ، بل الملايين الذين عاصروا تلك الأحداث ، ورأوا نابليون وجيشه واحتلاله لمصر ، رؤيةً حقيقية ، وكتبوا شهاداتهم تلك في كتب موثقة ، وصلت إلينا ، أو نقلوها مشافهة إلى الأجيال التي بعدهم حتى وصلت إلينا .

وفي المقابل ليس عندك عشرة أشخاص (لا أقول : الآلاف أو مئات الآلاف) بل عشرة أشخاص فقط ، رأوا قضية الصلب وتيقنوا أن المصلوب هو المسيح ، وأخبروا بذلك .

فكيف تريد أن تسوي بين خبرين : أحدهما نقله مئات الآلاف ، أو ربما الملايين من الناس ، عن مشاهدة منهم له ، والثاني نقله اثنان أو ثلاثة ، عن ظن منهم ، وليس عن يقين؟!

ثامناً :
وأخيرا .. فإننا نورد هنا بعض نصوص الأناجيل التي تدل على نجاة المسيح من القتل على يد اليهود ، وعدم تسلطهم عليه بالصلب .
" أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه . فقال لهم يسوع : أنا معكم زمانا يسيرا بعد ، ثم أمضي للذي أرسلني . ستطلبونني ولا تجدونني ، حيث أكون أنا ، لا تقدرون أنتم أن تأتوا " (يوحنا 7: 32 - 34) .
" قال لهم يسوع أيضا : أنا أمضي ، وستطلبونني ، وتموتون في خطيئتكم، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا . فقال اليهود : لعله يقتل نفسه ، حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ؟ فقال لهم يسوع : متى رفعتم ابن الإنسان ، فحينئذ تفهمون أني أنا ، ولست أفعل شيئا من نفسي ، بل أتكلم بهذا كما علمني ... والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي ؛ لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (يوحنا 8: 21 - 29) .
وقد كانت آخر أقوال المسيح لتلاميذه في اللحظات التي سبقت عملية القبض مباشرة : "هو ذا تأتي ساعة ، وقد أتت الآن ، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته ، وتتركوني وحدي . وأنا لست وحدي ؛ لأن الآب معي ... لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " (يوحنا 16: 32 - 33) .

فقول المسيح عن أعدائه اليهود : إنهم لن يقدروا على الوصول إليه ، وأنهم سيطلبونه ولا يجدونه ، وأن الله معه لن يتركه وحده يواجه أعداءه ، وأنه قد غلب العالم .. كل هذا يدل على أن أعداءه لم يستطيعوا الوصول إليه ، ولا قتله ، ولا صلبه ، بل نجاه الله منهم ؛ لأنه لو كان قد صُلب بالفعل ، لكان أعداؤه قد طلبوه ووجدوه وقتلوه ، فيكون إخباره بتلك الأمور إخبارا كاذبا .
وصدق الله العظيم ، إذ يقول في القرآن الكريم : ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء/157- 158.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (110592) ، ورقم: (181943) ، ورقم : (12615).

ولم نعلق على جميع ما أوردته في سؤالك ، لأن طبيعة الموقع لا تسمح بأكثر من ذلك ، ويبقى عليك المسئولية الكبرى في البحث عن الحق واتباعه .
نسأل الله لك الهداية .

والله أعلم .

الإيمان بالرسل
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب