الجواب :
الحمد لله
بُعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام الخالدة ، وقد أُمر المسلمون باتباع
ما جاء في كتاب ربهم تعالى ، وما جاء في سنته صلى الله عليه وسلم ، وكان الصحابة
رضي الله عنهم يرتوون من هذين المصدرين ، ثم إنهم رضي الله عنهم قاموا بعد موت
النبي صلى الله عليه وسلم بمهة تعليم الناس دينهم ، وقد تفرقوا في الأمصار ، ولا شك
أنهم لم يكونوا سواء في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن كان منهم أحفظ كانت
فتياه مطابقة للسنَّة ، ومن لم يكن حافظاً فإنه يجتهد لمعرفة الصواب ، وهكذا كان
اختلافهم في الحفظ سبباً لاختلافهم في الفتيا .
ثم
إن النص الواحد قد يكون محفوظاً لكلا الصحابيين ، لكنَّ كل واحدٍ منهما يفهم منه
غير ما فهم الآخر ، ويكون النص محتملاً لهذا ، وذاك ، وكل واحد منهما يجتهد في فهم
النص وفق مراد الشرع ، والمصيب منهما واحد ، وهكذا كان الاختلاف في فهم النص من
أسباب اختلافهم .
ثم
انتشر العلم في الآفاق ، وصار في هذا الدين أئمة علم وهدى ، ومنهم الأئمة الأربعة
(أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله) ، فظهرت أسباب أخرى لاختلافهم غير ما
سبق ، وهو اختلافهم في صحة الحديث وضعفه ، واختلافهم في بعض قواعد فهم النصوص ، وهو
ما اصطلح على تسميته " أصول الفقه " .
قال
علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
"أما أسباب اختلاف العلماء فكثيرة ، منها : أن كل واحد منهم لا يحيط بالعلم كله فقد
يخفى عليه ما علم غيره ، وقد يفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه
الدليل الواضح" انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ،
الشيخ عبد الله بن قعود .
"
فتاوى اللجنة الدائمة " ( 2 / 178 ) .
وبهذا يتبين ما يلي :
1.
الواجب على المسلم أن يتبع ما جاء في القرآن الكريم ، وما ثبت في السنَّة النبوية ،
ولا يجب عليه التمذهب بمذهب فقهي معين .
2.
أن
الاختلاف بين العلماء له أسبابه الكثيرة ، وقد جُمعت هذه الأسباب في كتاب " رفْع
الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وكتاب " أسباب
اختلاف العلماء وموقفنا من ذلك " للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله .
3.
أن
أئمة الدين ليسوا أربعة فقط ، بل هم كُثر ، لكن الله تعالى جعل الشهرة للأئمة
الأربعة رحمهم الله .
4.
هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين مذهبهم هو اتباع النصوص ، وتعظيمها،
وقد أمرونا بذلك ، ونهونا عن تقليدهم ، فمن رضيهم له أئمة : فليرض مذهبهم .
فلم
يدعُ واحد من أئمة الدين الناس لتبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره ، وقد نزههم
الله تعالى عن هذا ، بل قد ثبت عنهم جميعاً التحذير من هذا الفعل ، والوصية بالأخذ
من الكتاب والسنَّة .
5.
أن
هذه المذاهب هي بمثابة مدارس لفهم الكتاب والسنة ، وأئمتها اجتهدوا للوصول إلى
الأحكام التي يرون أنها أقرب إلى الكتاب والسنة ، ولا حرج على المسلم أن يتمذهب
بمذهب من هذه المذاهب ، ولكن بشروط أنه من ظهرت له السنة النبوية في خلاف ما علمه
من مذهبه ، فالواجب عليه ترك المذهب واتباع السنة ، وهذه هي وصية هؤلاء الأئمة ،
كما قال الإمام الشافعي رحمه الله وغيره : "إذا صح الحديث فهو مذهبي" .
6.
الناس ليسوا سواء في الاطلاع على نصوص الوحي ، ولا سواء في إمكانية فهم النصوص ،
لذا ، فقد ارتضت طائفة كبيرة من المسلمين بتقليد هؤلاء الأئمة ، وبما أن الشهرة
كانت لأولئك الأئمة الأربعة ، وكان لهم تلاميذ نشروا أقوالهم : صرت ترى ذلك المقلد
"حنفيّاً" أو "مالكياً" أو "شافعيّاً" أو "حنبلياً" ، وغالباً ما يكون مذهب أولئك
العوام مذهب شيخهم في مدينتهم ، أو قريتهم ، وهذا العامي لا حرج عليه في فعله ؛
لأنه مأمور بسؤال أهل العلم ، لكن ليس له أن يُنكر على غيره تبني قولاً آخر ، وليس
له أن يفتي ، ولا أن يتعصب لقول شيخه ، بل متى ظهر له الحق فيجب عليه العمل به ،
ولا يسعه غير ذلك .
وللوقوف على طائفة من أقوال العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة : انظر أجوبة
الأسئلة : (21420)
و (103339)
و (21420)
و (99884)
.
والله أعلم