الحمد لله
أولاً :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الإسلام العظيمة ، وقد عدَّها بعض
العلماء من أركان الدين ، والواجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ،
وليس هذا لطائفة من المسلمين دون آخرين ، بل هو واجب على كل من يعلم شيئاً من دين
الله تعالى أن يبلِّغه أمراً أو نهياً .
قال تعالى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )
آل عمران/110 .
وقال تعالى : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران/104
.
وقال سبحانه وتعالى : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى
لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ سورة المائدة الآية . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )
المائدة/78 ، 79
.
قال ابن عطية – رحمه الله - :
والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى
المسلمين ، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه .
انظر " تفسير القرطبي " ( 6 / 253 )
.
ثانياً :
ويُشترط لإقامة هذه الشعيرة شروط لا بدَّ من وجودها ، وأكثرها يتعلق بالآمر الناهي
، وبعضها يتعلق بذات الشعيرة .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :
الشرط الأول : أن يكون عالماً بحكم الشرع فيما يأمر به أو ينهي عنه ، فلا يأمر إلا
بما علم أن الشرع أمر به ، ولا ينهي إلا عما علم أن الشرع نهي عنه ، ولا يعتمد في
ذلك على ذوق ، ولا عادة .
الشرط الثاني : أن يعلم بحال المأمور : هل هو ممن يوجَه إليه الأمر أو النهي أم لا
؟ فلو رأى شخصاً يشك هل هو مكلف أم لا : لم يأمره بما لا يؤمر به مثله حتى يستفصل .
الشرط الثالث : أن يكون عالماً بحال المأمور حال تكليفه ، هل قام بالفعل أم لا ؟
فلو رأى شخصاً دخل المسجد ثم جلس ، وشك هل صلي ركعتين : فلا يُنكر عليه ، ولا يأمره
بهما ، حتي يستفصل .
الشرط الرابع : أن يكون قادراً على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا
ضرر يلحقه ، فإن لحقه ضرر : لم يجب عليه ، لكن إن صبر وقام به : فهو أفضل ؛ لأن
جميع الواجبات مشروطة بالقدرة والاستطاعة ؛ لقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم
) التغابن/16
، وقوله : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها )
البقرة/286 .
الشرط الخامس : أن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة أعظم من
السكوت ، فإن ترتب عليها ذلك : فإنه لا يلزمه ، بل لا يجوز له أن يأمر بالمعروف أو
ينهي عن المنكر .
" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 8 / 652 –
654 ) مختصراً .
ثالثاً :
وإذا علمتَ أخي السائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان من واجبات
الشريعة ، وتحققت الشروط الشرعية اللازمة لإقامتهما : فاعلم أن رؤيتك للمنكر وعدم
نصحك لصاحبه سبب في ترتب الإثم عليك ، إلا أن يقوم غيرك بالإنكار عليه ؛ لأنه يكون
فرض عينٍ عليك في حال أن تكون رأيت المنكر وليس ثمة من ينصحه غيرك ، فإن وُجد غيرك
وقام عنك بهذا الشعيرة : فإنه يصير فرض كفاية ، يسقط عنك الإثم إذا قام بالواجب
غيرك .
قال ابن قدامة – رحمه الله - :
واشترط قومٌ كون المنكِر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي ، ولم يجيزوا لآحاد
الرعية الحسبة ، وهذا فاسد ؛ لأن الآيات والأخبار تدل على أن كل مَن رأى منكراً
فسكت عنه : عصى ، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم .
" مختصر منهاج القاصدين " ( ص 124 ) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز –
رحمه الله - :
وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضَ عينٍ ، وذلك في حق من يرى المنكر
وليس هناك من ينكره وهو قادر على إنكاره ، فإنه يتعين عليه إنكاره لقيام الأدلة
الكثيرة على ذلك ، ومن أصرحها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَن رأى منكم
منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان
) أخرجه مسلم في صحيحه .
" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 3 / 212 ) .
رابعاً :
ولا فرق بين أن تكون هذه المنكرات في الشارع أو في البيت أو في العمل ، فإن استطاع
المسلم إنكارها من غير ضرر يلحقه : فلا يُعذر بترك إنكارها .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - :
فالمؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر , المؤمن لا يسكت ، إذا رأى
مِن أخيه منكراً : ينهاه عنه , وهكذا إن رأى مِن أخته أو عمته أو خالته أو غيرهن ,
إذا رأى منهن منكراً : نهاهنَّ عن ذلك , وإذا رأى مِن أخيه في الله أو أخته في الله
تقصيراً في الواجب : أنكر عليه ذلك , وأمره بالمعروف , كل ذلك بالرفق والحكمة ،
والأسلوب الحسن .
فالمؤمن إذا رأى أخاً له في الله يتكاسل عن الصلوات أو يتعاطى الغيبة أو النميمة أو
شرب الدخان أو المسكر أو يعصي والديه أو أحدهما أو يقطع أرحامه : أنكر عليه بالكلام
الطيب ، والأسلوب الحسن , لا بالألقاب المكروهة والأسلوب الشديد , وبين له أن هذا
الأمر لا يجوز له ... .
كل هذه المنكرات يجب على كل واحد من المؤمنين والمؤمنات والصلحاء إنكارها , وعلى
الزوج والزوجة ، وعلى الأخ ، والقريب ، وعلى الجار ، وعلى الجليس ، وعلى غيرهم
القيام بذلك كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين والمؤمنات : ( يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )
التوبة/71
، وقال المصطفى عليه الصلاة والسلام : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك
أن يعمهم الله بعقابه ) ، , ويقول عليه الصلاة والسلام : (من رأى منكم منكرا
فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .
وهذا عام لجميع المنكرات ، سواء كانت في الطريق , أو في البيت ، أو في المسجد ، أو
في الطائرة ، أو في القطار ، أو في السيارة ، أو في أي مكان , وهو يعم الرجال
والنساء جميعاً , المرأة تتكلم ، والرجل يتكلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛
لأن في هذا صلاح الجميع ونجاة الجميع .
ولا يجوز السكوت عن ذلك من أجل خاطر الزوج أو خاطر الأخ أو خاطر فلان وفلان , لكن
يكون بالأسلوب الحسن والكلمات الطيبة , لا بالعنف والشدة , ومع ملاحظة الأوقات
المناسبة , فقد يكون بعض الناس في وقت لا يقبل التوجيه ولكنه في وقت آخر يكون
متهيئا للقبول , فالمؤمن والمؤمنة يلاحظان للإنكار والأمر بالمعروف الأوقات
المناسبة ولا ييأس إذا لم يقبل منه اليوم أن يقبل منه غدا , فالمؤمن لا ييأس ,
والمؤمنة لا تيأس , بل يستمران في إنكار المنكر , وفي الأمر بالمعروف وفي النصيحة
لله ولعباده مع حسن الظن بالله والرغبة فيما عند الله عز وجل .
" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 4 / 50 ) .
خامساً :
وهل معنى ذلك أنه يجب عليه الإنكار على كل حالقٍ للحيته ، وكل مسبلٍ لإزاره ، وكل
شاتم وساب يسمعه ؟ وهل يجب عليه التقاط كل ورقة فيها اسم الله من الشارع ؟ وهل يجب
عليه الوقوف لكل خطيب يسمعه يحكي حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً ؟
الجواب في كل ذلك - وما يشبهه - : لا ، لا يجب عليه فعل ذلك ؛ لتعذر هذا القيام
بهذه الأمور من كل داعية إلى الله ، وخاصة أن أكثر من يراهم يفعلون المنكرات قد
علموا حكم الله تعالى في فعلهم ، وقد أقيمت عليهم الحجة ، ولو أن الشرع أوجب عليه
فعل ذلك لأفنى عمره في الوقوف مع أولئك العاصين ونصحهم على حساب القيام بمصالحه
ومعاشه ، وهو مما لا يمكن أن تأت به الشريعة .
قال علماء اللجنة الدائمة :
يكفيك للخروج من الإثم والحرج : أن تنصح الناس بعدم استعمال ما ذكر فيما فيه امتهان
، وأن تحذرهم من إلقاء ذلك في سلات القمامة ، وفي الشوارع ، والحارات ، ونحوها ،
ولست مكلفاً بما فيه حرج عليك مِن جعل نفسك وقفاً على جمع ما تناثر من ذلك في
الشوارع ونحوها ، وإنما ترفع من ذلك ما تيسر منه دون مشقة وحرج .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ،
الشيخ عبد الله بن قعود .
" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 4 / 73 – 75 ) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين
– رحمه الله - :
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية , إذا قام به مَن يكفي سقط عن الناس ,
وإذا لم يقم به من يكفي : وجب على الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر , لكن
لابد أن يكون بالحكمة ، والرفق ، واللين ؛ لأن الله أرسل موسى وهارون إلى فرعون
وقال : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )طه/44
، أما العنف : سواء كان بأسلوب القول ، أو أسلوب الفعل : فهذا ينافي الحكمة , وهو
خلاف ما أمر الله به .
ولكن أحياناً يعترض الإنسان شيء يقول : هذا منكر معروف , كحلق اللحية مثلاً , كلٌّ
يعرف أنه حرام - خصوصاً المواطنون في هذا البلد - , ويقول : لو أنني جعلتُ كلما
رأيت إنساناً حالقاً لحيته - وما أكثرهم - وقفتُ أنهاه عن هذا الشيء : فاتني مصالح
كثيرة , ففي هذه الحال : ربما نقول بسقوط النهي عنه ؛ لأنه يفوِّت على نفسه مصالح
كثيرة , لكن لو فرض أنه حصل لك اجتماع بهذا الرجل في دكان أو في مطعم أو في مقهى :
فحينئذٍ يحسن أن تخوفه بالله , وتقول : هذا أمر محرم ، وأنت إذا أصررت على الصغيرة
صارت في حقك كبيرة , وتقول الأمر المناسب .
" لقاءات الباب المفتوح " ( 110 / السؤال
رقم 5 ) .
ونحن نأسف جدّاً على المسلمين
الذين عصوا ربهم تعالى في لباسهم وسلوكهم وأفعالهم وأقوالهم ، ونحن نحث كل من
استطاع أن يوصل رسالة الإسلام الصافية لهؤلاء أن يفعل ، وحيث يسمع المسلم أو يرى
منكراً ويستطيع إنكاره أو تغييره فليفعل ، ولا يجب عليه ذلك في كل منكرٍ يراه أو
يسمعه ، ولا شك أن المنكرات تتفاوت فيما بينها من حيث عظمها وقبحها ، وتتفاوت فيما
بينها من حيث كونها تتعدى للآخرين أو يكون أثرها على العاصي نفسه فقط ، فحيث قبحت
المعصية أو عظمت فالإنكار يتحتم على المسلم أكثر من المعاصي التي يقل قبحها وتخف
عظمتها ، فمن سمع من يسب الله أو الدين ، فليس إثم ذلك وقبحه كمن سمع من يسب شخصاً
من خصومه .
وحيث تتعدى المعصية للآخرين فيتحتم الإنكار أكثر مما لو كان أثرها على العاصي نفسه
، وهكذا ، والمهم في كل ذلك أن يبقى قلب المسلم حيّاً ينكر المنكر حيث يعجز عنه
بيده أو لسانه ، ومن استطاع تغيير المنكر بيده ولسانه فلا يقصِّر في ذلك .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - :
والإنكار بالقلب فرض على كل واحد ؛ لأنه مستطاع للجميع ، وهو بغض المنكر ، وكراهيته
، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان ؛ لقول الله سبحانه : ( وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا
فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
الأنعام/68 ، وقال تعالى في سورة
النساء : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ
اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى
يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ )
الآية
، النساء/140
، وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا
بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) الفرقان/72
، ومعنى لا يشهدون الزور لا يحضرونه .
" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 3 / 212 ، 213 )
.
والله أعلم