91961



حكم اعتراف الزوجة لزوجها بماضيها السيئ وأثر إخبارها على حياتها
هذه مشكلة امرأة عاملة ، تزوجت منذ بضعة أشهر ، ولم تكن متمسكة بدينها في فترة الدراسة ، وكانت تدرس بعيداً عن أهلها ، وتعرفت على شاب غير مسلم كان يساعدها ، وإنه أتى معها بعض الأفعال المحرمة دون أن تصل إلى حد ارتكاب الفاحشة ، ولكنها تابت ، وقطعت علاقتها به واستقامت ، ولديها مشاكل مع زوجها حيث إنه كثير الشك ، ولا يثق في أحد ، وله تعلق بالشرك ، والحسد ، والسحر ، وما أشبه ، وأنه نادراً ما يحضر الجمعة ، وأنه بدأ يشك في ماضيها ، وأحضر مصحفاً ، وطلب منها أن تحلف عليه ، فحلفت كاذبة ، ثم تابت ، وأخبرته بعلاقتها السابقة ، فبدأ في إذلالها ، وأجبرها أن تكتب إلى أهلها بالتفاصيل ، وأخذ يضيق عليها ، فلا يسمح لها بالاختلاط بأهلها ، ولا أقرب الأقارب ، ومع ذلك تقول إنها تحبه ، وهو كذلك ، وتطلب النصيحة .

الحمد لله

أولاً :

نسأل الله تعالى أن يقبل توبتها ، وأن يغفر لها ذنبها ، وأن يبدل سيئاتها حسنات .

قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا . إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/ 68-70 .

ثانياً :

لا يجوز للزوج أن يجعل للشيطان طريقاً إلى قلبه بالشك في زوجته ، وطريق الشك طريق شائك ، لا يجعل صاحبه في هناءة من العيش ، بل تكون حياته قائمة على القلق والاضطراب وتعظيم الأمر التافه ، وهو ما يسبِّب ظلماً للآخرين ، وتزكية لنفسه ، وأمراضاً نفسية ، وربما عضوية يعاقبه الله بها .

فما كان على الزوج أن يشك بامرأته البتة ، كما لم يكن له أن يسألها عن ماضيها ، فلا يخلو أحد – غالباً – من ماضٍ يود لو أنه يمحى من صحيفته ومن ذهنه ومن ذهن من يعرفه ، فأن يأتي الشيطان له ليجعل زوجته تخبره بماضيها أمرٌ مستبشع مستنكر محرَّم ، كيف لا يكون كذلك وقد أمر الله تعالى بالستر ؟! ستر الإنسان المقصِّر على نفسه ، وستره على غيره ، وبسؤال الزوج فإنه يكون متسبباً في نقض السترين ! .

وفي جواب السؤال رقم ( 7650 ) قلنا :

فليس للرجل حق في البحث عن الماضي الذي قد تابت عنه زوجته لما قدمنا ، ولا ينبغي للمرأة أن تصارح زوجها بما قد حصل في الماضي وتابت منه ، ولتستتر بستر الله .

انتهى

ثالثاً :

كان المرجو من الزوجة أن تبقى على يمينها عندما حلفت له أنه ليس لها ماضٍ فيه سوء ؛ فليس من حقه أن يستنطقها بماضيها فضلاً أن يحلِّفها ، أما وقد فعلت فإن هذا من الكذب المباح ـ إن شاء الله ـ حتى لو كان بيمين ؛ دفعاً لسفاهة الزوج ؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها ؛ وحفاظاً على زوجها وأولادها .

ونعجب من الزوجة الفاضلة كيف تراجعت عن يمينها وأقرَّت على نفسها بالفضيحة لماضٍ سالفٍ ستره الله عليها .

وكثير من النساء يسألن عن حكم إخبار الأزواج عن الماضي الذي كانت اقترفت فيه آثاماً وتابت منه ، ولا ينبغي أن يشك في أن الحكم هو المنع الجازم من الإخبار ؛ حفاظاً على ستر الله تعالى عليها ؛ ومنعاً من فضيحتها ؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها من أن يناله أحد بسوء ؛ وإبقاء للحياة الزوجية دون وجود ما يكدرها .

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : ( اجْتَنِبُوا هذهِ القَاذُوراتِ التي نَهَى الله عز وجل عَنْهَا ، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيءٍ منها : فَلْيَسْتتِر بِسِتْرِ الله عز وجل وليتب إلى الله ؛ فإنَّه مَن يُبْدِ لنَا صَفْحَتَه نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله ) .

رواه مالك ( 1562 ) مرسلاً ، والحاكم ( 4 / 425 ) ، والبيهقي ( 8 / 330 ) بإسناد متصل . والحديث : صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن ، وحسَّنه العراقي ، والألباني .

انظر : " التلخيص الحبير " ( 4 / 57 ) ، " خلاصة البدر المنير " لابن الملقِّن ( 2 / 303 ) ، " السلسلة الصحيحة " ( 663 ) .

والقاذورة : هي الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله عنه .

قال ابن عبد البرّ :

في هذا الحديث دليل على أنّ السّتر واجب على المسلم في خاصّة نفسه إذا أتى فاحشةً وواجب ذلك أيضاً في غيره . " التّمهيد " ( 5 / 337 ) .

وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ :ُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ) .

رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ) .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

أما المؤمن العاصي فإنه إذا ابتلي بالمعصية فإن الأفضل ألا يجاهر بها وألا يخبر بها أحداً ، وأن يستتر بستر الله ويتوب إلى الله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) ، المجاهرون هم الذين يعملون السيئات ثم يصبحون يتحدثون للناس بما صنعوا ، فمن أصاب شيئاً من هذه القاذورات : فليستتر بستر الله ، وليتب إلى الله عز وجل ، ولا يخبر بها أحداً . " لقاءات الباب المفتوح " ( 13 / السؤال رقم 13 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

ويؤخذ من قضيته - أي : ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ

. . . وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال : أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب اهـ . " فتح الباري " ( 12 / 124 ، 125 ) .

وفي " الموسوعة الفقهية " ( 3 / 181 ، 182 ) .

وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المرء إذا وقع منه ما يعاب عليه يندب له السّتر على نفسه ، فلا يُعْلِم أحداً ، حتّى القاضي ، بفاحشته لإقامة الحدّ أو التّعزير عليه ؛ لما رواه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : ( كلّ أمّتي معافًى إلاّ المجاهرين ... ) ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم ( من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر اللّه ... ) .

وقال أبو بكرٍ الصّدّيق : " لو أخذت شارباً لأحببت أن يستره اللّه ، ولو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره اللّه " ، وأنّ الصّحابة أبا بكرٍ وعمر وعليّاً وعمّار بن ياسرٍ وأبا هريرة وأبا الدّرداء والحسن بن عليٍّ وغيرهم قد أثر عنهم السّتر على معترفٍ بالمعصية ، أو تلقينه الرّجوع من إقراره بها ، ستراً عليه ، وستر معترف المعصية على نفسه أولى من ستر غيره عليه . والجهر بالمعصية عن جهلٍ ، ليس كالجهر بالمعصية تبجّحاً ، قال ابن حجرٍ : فإنّ من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربّه ، وقال الخطيب الشّربينيّ : وأمّا التّحدّث بها تفكّهاً فحرامٌ قطعاً .انتهى

وقد ذكر العلماء فوائد للاستتار بالمعصية ، ففي " الموسوعة الفقهية " ( 3 / 182 ) :

يترتّب على الاستتار بالمعصية :

أ. عدم إقامة العقوبة الدّنيويّة ؛ لأنّ العقوبات لا تجب إلاّ بعد إثباتها ، فإذا استتر بها ولم يعلنها ولم يقرّ بها ولم ينله أيّ طريقٍ من طرق الإثبات ، فلا عقوبة .

ب. عدم شيوع الفاحشة ، قال اللّه تعالى : ( إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدّنيا والآخرة واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون ) .

ج. من ارتكب معصيةً فاستتر بها فهو أقرب إلى أن يتوب منها ، فإن تاب سقطت عنه المؤاخذة ، فإن كانت المعصية تتعلّق بحقّ اللّه تعالى فإنّ التّوبة تسقط المؤاخذة ؛ لأنّ اللّه أكرم الأكرمين ، ورحمته سبقت غضبه ، فلذلك إذا ستره في الدّنيا لم يفضحه في الآخرة ، وإن كانت تتعلّق بحقٍّ من حقوق العباد ، كقتلٍ وقذفٍ ونحو ذلك ، فإنّ من شروط التّوبة فيها أداء هذه الحقوق لأصحابها ، أو عفو أصحابها عنها ، ولذلك وجب على من استتر بالمعصية المتعلّقة بحقّ آدميٍّ أن يؤدّي هذا الحقّ لصاحبه . انتهى

وقد ذكرنا في أول الجواب فوائد أخرى تتعلق بالاستتار بمعاصي الزوجة قبل زواجها ، ولا نعلم عن أحدٍ سمع من زوجته ماضياً سيئاً وازداد حبه لها ، ولا ازدادت ثقته بها ، حتى ولو كانت توبة نصوحا ، واستقام حالها فيما بعد ؛ بل على العكس ، رأينا وسمعنا الشكوك المتزايدة ، والترقب لأفعالها ، ومنعها مما أباحه الله لها ، وآخر ذلك تطليقها لاستحالة الحياة بينهما إما من جهته ، أو من جهتها ، أو من كلا الجهتين .

ثالثاً :

لذا فإننا نرى في حال الزوجة المسئول عنها :

1. إن أمكن فلتكذِّب نفسها مرة أخرى أمام زوجها ، وأن تخبره أن هذا كان بسبب ضغطه عليها ، وأنه ليس لما قالته أصل من الصحة .

2. أن لا تخبر أهلها كما هي رغبة الزوج ، وإلا فإنها ستقع في المحذور نفسه .

3. وإذا لم يقتنع فلتخبر أهلها بذلك إن أوصل لهم الزوج ما قالته .

4. أن تصبر على حياتها الجديدة معه ؛ لتثبت له أنه لا علاقة للماضي بحاضرها ، وتحاول تحمل قراراته وأفعاله حتى يهديه الله ، ولتدع ربها بأن يهديه ويصلح باله .

5. وإذا استمرت شكوكه وسوء أفعاله ولم تستطع الصبر : فليس لها إلا فراقه ، وإلا صارت حياته جحيماً لا يطاق ، ولا نظنه سيطيل المدة حتى يبادر هو بتطليقها .

6. على أننا ، وبغض النظر عن هذا المشكلة ، وما ترتب عليها ، لا ننصح هذه الزوجة بالبقاء مع زوج حاله بالسوء الذي وصفته : من التعلق بالشرك والسحر ، والتفريط في الصلاة ، حتى صلاة الجمعة ، مع ما ذكرت من شكوكه وظنونه ، وسوء معاملته ، فمثل هذا لا ننصح بالحرص على الحياة معه ، لأن مثل هذا الحياة لن تزيدها عن طريق الإيمان والهدى إلا بعدا !!

ولتحتسب أمرها عند ربها ، ولتدع ربها تعالى أن يهوِّن عليها مصيبتها ، وأن يبدلها خيراً منه .

وللاستزادة يرجى النظر في أجوبة الأسئلة : ( 27113 ) و ( 9562 ) .

والله أعلم
الإسلام سؤال وجواب



 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الإسلام سؤال وجواب©  1997-2010  : 108.8