الحمد
لله
أولاً :
نسأل الله تعالى أن يقبل توبتها ، وأن يغفر لها ذنبها ، وأن يبدل سيئاتها حسنات .
قال
الله تعالى : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا . إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً
صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ
غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/ 68-70 .
ثانياً :
لا
يجوز للزوج أن يجعل للشيطان طريقاً إلى قلبه بالشك في زوجته ، وطريق الشك طريق شائك
، لا يجعل صاحبه في هناءة من العيش ، بل تكون حياته قائمة على القلق والاضطراب
وتعظيم الأمر التافه ، وهو ما يسبِّب ظلماً للآخرين ، وتزكية لنفسه ، وأمراضاً
نفسية ، وربما عضوية يعاقبه الله بها .
فما
كان على الزوج أن يشك بامرأته البتة ، كما لم يكن له أن يسألها عن ماضيها ، فلا
يخلو أحد – غالباً – من ماضٍ يود لو أنه يمحى من صحيفته ومن ذهنه ومن ذهن من يعرفه
، فأن يأتي الشيطان له ليجعل زوجته تخبره بماضيها أمرٌ مستبشع مستنكر محرَّم ، كيف
لا يكون كذلك وقد أمر الله تعالى بالستر ؟! ستر الإنسان المقصِّر على نفسه ، وستره
على غيره ، وبسؤال الزوج فإنه يكون متسبباً في نقض السترين ! .
وفي جواب السؤال رقم (
7650 ) قلنا :
فليس للرجل حق في البحث عن الماضي الذي قد تابت عنه زوجته لما قدمنا ، ولا ينبغي
للمرأة أن تصارح زوجها بما قد حصل في الماضي وتابت منه ، ولتستتر بستر الله .
انتهى
ثالثاً :
كان
المرجو من الزوجة أن تبقى على يمينها عندما حلفت له أنه ليس لها ماضٍ فيه سوء ؛
فليس من حقه أن يستنطقها بماضيها فضلاً أن يحلِّفها ، أما وقد فعلت فإن هذا من
الكذب المباح ـ إن شاء الله ـ حتى لو كان بيمين ؛ دفعاً لسفاهة الزوج ؛ وحفاظاً على
شرفها وعرضها ؛ وحفاظاً على زوجها وأولادها .
ونعجب من الزوجة الفاضلة كيف تراجعت عن يمينها وأقرَّت على نفسها بالفضيحة لماضٍ
سالفٍ ستره الله عليها .
وكثير من النساء يسألن عن حكم إخبار الأزواج عن الماضي الذي كانت اقترفت فيه آثاماً
وتابت منه ، ولا ينبغي أن يشك في أن الحكم هو المنع الجازم من الإخبار ؛ حفاظاً على
ستر الله تعالى عليها ؛ ومنعاً من فضيحتها ؛ وحفاظاً على شرفها وعرضها من أن يناله
أحد بسوء ؛ وإبقاء للحياة الزوجية دون وجود ما يكدرها .
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : ( اجْتَنِبُوا
هذهِ القَاذُوراتِ التي نَهَى الله عز وجل عَنْهَا ، فَمَنْ أَلَمَّ بِشَيءٍ منها :
فَلْيَسْتتِر بِسِتْرِ الله عز وجل وليتب إلى الله ؛ فإنَّه مَن يُبْدِ لنَا
صَفْحَتَه نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله ) .
رواه مالك ( 1562 ) مرسلاً ، والحاكم ( 4 / 425 ) ، والبيهقي
( 8 / 330 )
بإسناد متصل .
والحديث : صححه الحاكم وابن السكن وابن الملقن ،
وحسَّنه العراقي ، والألباني
.
انظر : " التلخيص الحبير " ( 4 / 57 ) ، " خلاصة البدر المنير " لابن الملقِّن ( 2
/ 303 ) ،
" السلسلة الصحيحة " ( 663 ) .
والقاذورة : هي الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله عنه
.
قال
ابن عبد البرّ :
في
هذا الحديث دليل على أنّ السّتر واجب على المسلم في خاصّة نفسه إذا أتى فاحشةً
وواجب ذلك أيضاً في غيره . " التّمهيد " ( 5 / 337 ) .
وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ :ُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ
مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ
وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ
كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ
عَنْهُ ) .
رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :
أما المؤمن العاصي فإنه إذا ابتلي بالمعصية فإن الأفضل ألا يجاهر بها وألا يخبر بها
أحداً ، وأن يستتر بستر الله ويتوب إلى الله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل
أمتي معافى إلا المجاهرين ) ، المجاهرون هم الذين يعملون السيئات ثم يصبحون يتحدثون
للناس بما صنعوا ، فمن أصاب شيئاً من هذه القاذورات : فليستتر بستر الله ، وليتب
إلى الله عز وجل ، ولا يخبر بها أحداً
.
" لقاءات الباب المفتوح " ( 13 / السؤال رقم 13 ) .
وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
ويؤخذ من قضيته - أي : ماعز عندما أقرَّ بالزنى - أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته
أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ
. .
. وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال : أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن
يستره على نفسه ويتوب اهـ . " فتح الباري " ( 12 / 124 ، 125 ) .
وفي " الموسوعة الفقهية " ( 3 / 181 ، 182 ) .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المرء إذا وقع منه ما يعاب عليه يندب له السّتر على نفسه
، فلا يُعْلِم أحداً ، حتّى القاضي ، بفاحشته لإقامة الحدّ أو التّعزير عليه ؛ لما
رواه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم يقول : ( كلّ أمّتي معافًى إلاّ المجاهرين ... ) ؛ وقوله صلى الله عليه
وسلم ( من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر اللّه ... ) .
وقال أبو بكرٍ الصّدّيق : " لو أخذت شارباً لأحببت أن يستره اللّه ، ولو أخذت
سارقاً لأحببت أن يستره اللّه " ، وأنّ الصّحابة أبا بكرٍ وعمر وعليّاً وعمّار بن
ياسرٍ وأبا هريرة وأبا الدّرداء والحسن بن عليٍّ وغيرهم قد أثر عنهم السّتر على
معترفٍ بالمعصية ، أو تلقينه الرّجوع من إقراره بها ، ستراً عليه ، وستر معترف
المعصية على نفسه أولى من ستر غيره عليه . والجهر بالمعصية عن جهلٍ ، ليس كالجهر
بالمعصية تبجّحاً ، قال ابن حجرٍ : فإنّ من قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب
ربّه ، وقال الخطيب الشّربينيّ : وأمّا التّحدّث بها تفكّهاً فحرامٌ قطعاً
.انتهى
وقد ذكر العلماء فوائد للاستتار بالمعصية ، ففي " الموسوعة الفقهية " ( 3 / 182 ) :
يترتّب على الاستتار بالمعصية
:
أ. عدم إقامة العقوبة الدّنيويّة ؛ لأنّ العقوبات لا تجب إلاّ بعد إثباتها ، فإذا
استتر بها ولم يعلنها ولم يقرّ بها ولم ينله أيّ طريقٍ من طرق الإثبات ، فلا عقوبة
.
ب. عدم شيوع الفاحشة ، قال اللّه تعالى : ( إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في
الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدّنيا والآخرة واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون ) .
ج. من ارتكب معصيةً فاستتر بها فهو أقرب إلى أن يتوب منها ، فإن تاب سقطت عنه
المؤاخذة ، فإن كانت المعصية تتعلّق بحقّ اللّه تعالى فإنّ التّوبة تسقط المؤاخذة ؛
لأنّ اللّه أكرم الأكرمين ، ورحمته سبقت غضبه ، فلذلك إذا ستره في الدّنيا لم يفضحه
في الآخرة ، وإن كانت تتعلّق بحقٍّ من حقوق العباد ، كقتلٍ وقذفٍ ونحو ذلك ، فإنّ
من شروط التّوبة فيها أداء هذه الحقوق لأصحابها ، أو عفو أصحابها عنها ، ولذلك وجب
على من استتر بالمعصية المتعلّقة بحقّ آدميٍّ أن يؤدّي هذا الحقّ لصاحبه . انتهى
وقد ذكرنا في أول الجواب فوائد أخرى تتعلق بالاستتار بمعاصي الزوجة قبل زواجها ،
ولا نعلم عن أحدٍ سمع من زوجته ماضياً سيئاً وازداد حبه لها ، ولا ازدادت ثقته بها
، حتى ولو كانت توبة نصوحا ، واستقام حالها فيما بعد ؛ بل على العكس ، رأينا وسمعنا
الشكوك المتزايدة ، والترقب لأفعالها ، ومنعها مما أباحه الله لها ، وآخر ذلك
تطليقها لاستحالة الحياة بينهما إما من جهته ، أو من جهتها ، أو من كلا الجهتين .
ثالثاً :
لذا فإننا نرى في حال الزوجة المسئول عنها :
1. إن أمكن فلتكذِّب نفسها مرة أخرى أمام زوجها ، وأن تخبره أن هذا كان بسبب ضغطه
عليها ، وأنه ليس لما قالته أصل من الصحة .
2.
أن لا تخبر أهلها كما هي رغبة الزوج ، وإلا فإنها ستقع في المحذور نفسه .
3. وإذا لم يقتنع فلتخبر أهلها بذلك إن أوصل لهم الزوج ما قالته .
4. أن تصبر على حياتها الجديدة معه ؛ لتثبت له أنه لا علاقة للماضي بحاضرها ،
وتحاول تحمل قراراته وأفعاله حتى يهديه الله ، ولتدع ربها بأن يهديه ويصلح باله .
5. وإذا استمرت شكوكه وسوء أفعاله ولم تستطع الصبر : فليس لها إلا فراقه ، وإلا
صارت حياته جحيماً لا يطاق ، ولا نظنه سيطيل المدة حتى يبادر هو بتطليقها .
6. على أننا ، وبغض النظر عن هذا المشكلة ، وما ترتب عليها ، لا ننصح هذه الزوجة
بالبقاء مع زوج حاله بالسوء الذي وصفته : من التعلق بالشرك والسحر ، والتفريط في
الصلاة ، حتى صلاة الجمعة ، مع ما ذكرت من شكوكه وظنونه ، وسوء معاملته ، فمثل هذا
لا ننصح بالحرص على الحياة معه ، لأن مثل هذا الحياة لن تزيدها عن طريق الإيمان
والهدى إلا بعدا !!
ولتحتسب أمرها عند ربها ، ولتدع ربها تعالى أن يهوِّن عليها مصيبتها ، وأن يبدلها
خيراً منه .
وللاستزادة يرجى النظر في أجوبة الأسئلة :
(
27113 ) و (
9562 ) .
والله أعلم