الحمد لله
من الأخطاء الشائعة : أن يخبر الزوجان كل منهما الآخر ؛ عما كان
في حياته السابقة قبل الزواج ، بحجة أنه على كل منهما أن لا يترك لحبيبه الجديد
شيئاً من حياته الماضية ؛ إلا وأخبره وعنها ، تعللاً بالمصارحة بينهما , وحتى تصفو
الحياة لهما , ولا تصاب بركسة ولا نكسة ، وخوفاً من هواجس الماضي فيعيشان حياة
سعيدة !
وقد أثبت الواقع وتكشف عن فشل هذه الفكرة , لأن الزوجين في معظم
الأحيان لا يتحملان هذا الأمر! وإن صبرا عليه في البداية ، لأن حرارة الحب الجديد
بينهما تمنع من ردة الفعل المباشرة ، حتى إذا ما خمدت هذه الحرارة , وبرد الحب ,
وخفت العلاقة بينهما سرعان ما يظهر ما كان خافياً ومختبئاً ويطفو على سطح حياتهما,
فتنقلب عليهما الحياة ، فتبدأ بالتعسر ، وتنشأ
المشكلات بينهما, وتبدأ حرارة الغيرة تحرق روابط الحياة بينهما .
فما كان قبل الزواج يجب أن يذهب مع أيامه ووقته , لا يعلمه أحد من
الناس مهما كان شأنه أو مكانه أو قربه ، فإن كان معصية يحدث صاحبها توبة بشروطها
بينه وبين الله سبحانه ، لأن التوبة هي التي تهدم ما قبلها من الذنوب ، وليس إخبار
الزوج ومصارحته .
ومن شروطها: الندم على ما حصل ، والإقلاع عن الذنب ، والعزم على
أن لا يعود , وينبغي أن يكثر من الطاعة والاستغفار لتعويض ما فات .
على أن المؤمن مأمور بالستر على نفسه .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا هذه القاذورات
التي نهى الله عنها ، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله ) أخرجه الحاكم
وصححه الألباني في صحيح الجامع (149).
وروى البخاري (6069) عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : : ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا
الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ
بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَيَقُولَ :
يَا فُلَانُ ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ
رَبُّهُ ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ).
وما ذكرت من حبك لزوجك – بداية
طيبة وأساس متين لحل كثير من الخلافات القائمة بينكما بإذن الله تعالى .
أختي السائلة :
أظهري لزوجك هذا الحب حيّاً واقعياً , وذلك بإظهار اهتمامك به ،
غيري نمط حياتك معه ، نفسك ، شكلك ، بيتك ، أحدثي تغييراً جذرياً فيها .
لعل السآمة أخذته من حياة تقليدية رتيبة لا تغيير فيها .
حولي نظره إليك ، إلى بيتك ، إلى ابنتك ، بكل ما تمتلكين من
أسباب ، وإياك والتذمر أو الضيق من شؤونه الخاصة ، لأنها ستقف عثرة أمام التفاهم
المنشود بينكما .
أدبي نفسك بأدب الإسلام, وإياك والعصبية ، فقد أوصى الرسول صلى
الله عليه وسلم بعدم الغضب .
روى البخاري (6116) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي
قَالَ : ( لا تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِرَارًا ، قَالَ : لا تَغْضَبْ ).
كما أمرنا بحفظ اللسان وصيانته ، فقال صلى الله عليه وسلم وهو
يوصي معاذاً رضي الله عنه : ( كف عليك هذا – أي : لسانك- فقلت : يا رسول الله! وإنا
لمؤاخذون بما نتكلم به ؟! فقال : ثكلتك أمك يا معاذ, وهل يكب الناس في النار على
وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) رواه الترمذي وصححه الألباني في
"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (772).
إن ما ذكرت فيك من العصبية, وسلاطة اللسان.. هما معولا هدم
وتكسير ، ينقض أساس بنيان الأسرة وحياتها .
ولعلهما السبب في إعراض زوجك عنك ، وأنه رأى ووجد في أهله ،
والناس من التقدير, والاحترام والأدب ما لم يجده عندك ، فألجأه ذلك إلى ما هو عليه.
فاجتهدي في تغيير سلوكك ، وضبط نفسك ، وتوجهي إلى الله بالدعاء
لك وله بالتوفيق , والصلاح , وحسن الأخلاق , والأدب فإن الله قريب مجيب .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع بينكما في خير ، ويوفقنا وإياكم
لما يحبه ويرضاه .
والله أعلم .