الحمد لله
أولاً :
" اتفق الفقهاء على وقوع الطلاق بالكتابة , لأن الكتابة حروف
يفهم منها الطلاق , فأشبهت النطق ; ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب , بدليل أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتبليغ الرسالة , فبلغ بالقول مرة , وبالكتابة
أخرى . والكتابة التي يقع بها الطلاق إنما هي الكتابة المستبينة , كالكتابة على
الصحيفة والحائط والأرض , على وجه يمكن فهمه وقراءته . وأما الكتابة غير المستبينة
كالكتابة على الهواء والماء وشيء لا يمكن فهمه وقراءته , فلا يقع بها الطلاق , لأن
هذه الكتابة بمنزلة الهمس بلسانه بما لا يسمع " انتهى .
"الموسوعة الفقهية" (12/217) .
ثانياً :
إذا كتب الزوج رسالة لزوجته : أنت طالق ، سواء كانت بالهاتف
المحمول أو على ورقة أو بالبريد الإلكتروني ، فهذا يُرجع فيه إلى نيته وقت الكتابة
، فإن كان عازما على الطلاق ، وقع الطلاق ، وإن كتب ذلك ولم يكن ناوياً للطلاق ،
وإنما أراد إدخال الحزن على زوجته أو غير ذلك من المقاصد لم يقع الطلاق .
قال ابن قدامة رحمه الله : " ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق ،
إلا في موضعين : أحدهما ، من لا يقدر على الكلام ، كالأخرس إذا طلق بالإشارة ، طلقت
زوجته ...
الموضع الثاني : إذا كتب الطلاق ، فإن نواه طلقت زوجته ، وبهذا
قال الشعبي ، والنخعي والزهري والحكم وأبو حنيفة ومالك وهو المنصوص عن الشافعي ".
وإن كتب بلا نية الطلاق ، لم يقع عند الجمهور : " لأن الكتابة
محتملة ، فإنه يقصد بها تجربة القلم ، وتجويد الخط ، وغم الأهل ، من غير نية" .
انتهى من "المغني" (7/373) .
وقال في "مطالب أولي النهى" (5/346) : " فلو قال كاتب الطلاق :
لم أرد إلا تجويد خطي ، أو لم أرد إلا غم أهلي , قُبل ؛ لأنه أعلم بنيته ، وقد نوى
محتملا غير الطلاق . . . وإذا أراد غم أهله بتوهم الطلاق دون حقيقته ، لا يكون
ناويا للطلاق " انتهى .
وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله : رجل كان جالسا مع أخته وزوجته
فطلب من أخته أن تجيء بالقلم فكتب على ورقة : طلاق طلاق بغير إضافة إلى أحد فغضبت
أخته وأخذت القلم ثم كتبت ثلاث مرات طلاق طلاق طلاق ثم ألقى الورقة إلى امرأته وقال
لها : انظري هل صحيح ما كتبت ؟ وهو لم يرد كتابة هذه الألفاظ لامرأته .
فأجاب : " هذا الطلاق غير واقع على المرأة المذكورة إذا كان لم
يقصد به طلاقها , وإنما مجرد الكتابة أو أراد شيئا آخر غير الطلاق , لقول النبي صلى
الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات . . . ) الحديث .
وهذا قول جمع كثير من أهل العلم وحكاه بعضهم قول الجمهور , لأن
الكتابة في معنى الكناية , والكناية لا يقع بها الطلاق إلا مع النية في أصح قولي
العلماء ، إلا أن يقترن بالكتابة ما يدل على قصد إيقاع الطلاق فيقع بها الطلاق .
والحادثة المذكورة ليس فيها ما يدل على قصد إيقاع الطلاق والأصل
بقاء النكاح والعمل بالنية " انتهى .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله :
" فقد وصلنا استفتاؤك وفهمنا ما تضمنه من أن رجلاً كتب طلاق
زوجته فلانة بنت فلان طلقة واحدة ، وأنه ذيل الكتابة بتوقيعه واسمه ، وأنه لم يقصد
إيقاع الطلاق بزوجته ، ولم ينوه إطلاقاً ، بل كتب الورقة ليرهب زوجته ويهددها لكي
ترتدع عن معاملتها السيئة لزوجها إلى آخر ما ذكر . وتسأل هل يقع الطلاق من الرجل
المذكور على الزوجة ، أم لا ؟
والجواب : الحمد لله , إذا كان الأمر كما ذكرت في أنه لم يقصد من
كتابته صريح طلاق زوجته إلا تهديدها وإرهابها لترتدع عن معاملتها السيئة له ، وأنه
لم يقصد الطلاق ولم ينوه إطلاقاً فلا يقع الطلاق المذكور ، وبالله التوفيق "
انتهى .
"فتاوى محمد بن إبراهيم" (11/سؤال رقم 3051) .
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم أيضاً عن رجل كتب طلاق امرأته وأراد
بذلك غم أهله وتهديدها .
فأجاب :
" يظهر لنا أن الطلاق غير واقع ، وإنما أراد من هذه الورقة غم
أهله وتهديدها ، وقد ذكر العلماء أنه إذا قصد من كتابة الطلاق تجويد خطه أو غم أهله
قبل منه مقصده ولا يقع الطلاق ، قال في "شرح زاد المستقنع– الجزء الثالث ص150" :
ومن كتب صريح طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه ، لأنها صريحة فيه ؛ فإن قال :
لم أرد إلا تجويد خطي أو غم أهلي قبل . اهـ . وبالله التوفيق " انتهى
.
"فتاوى محمد بن إبراهيم" (11/السؤال رقم 3050) .