الحمد لله
أولاً :
لعلك رسالتك تكون عظة وعبرة للذين يزعمون " براءة " العلاقة بين
الرجل والمرأة الأجنبية عنه ، ولمن يزعم " شرعية " هذه العلاقات إذا كانت في النصح
والتوجيه ، ولمن يريد " تمييع " الدين فيفتح المجال للعلاقات بين الرجال والنساء
بحجة تقدم العصر ، وعدم وجود ما يمنع ، وبقدرة المرأة على الحفاظ على نفسها . . .
إلى آخر هذه المبررات الساقطة !!
وعظة وعبرة لكل من غفل عن شرع الله تعالى فتهاون في تحذير ربنا
تبارك وتعالى من اتباع خطوات الشيطان ، فراح يتساهل في الأمور حتى يقع على أم رأسه
، وها أنتِ قد تهاونتِ مع هذا الشاب فتجرأتِ على الحديث معه ونصحه ، ثم رضيتِ أن
تستقبليه في بيتك ، ثم رضيتِ الخلوة معه ، ثم زيَّن لكِ الشيطان أنه بمثابة أخيك ،
ثم ماذا ؟ ثم وقع الزنى في المجلس نفسه وفي بيتك وممن أوهمك الشيطان أنه مثل أخيك !
فأين هي الخطوة الأولى للشيطان ؟ إنها الحديث مع هذا الرجل الأجنبي ، ثم تتابعت
خطوات الشيطان حتى أوقعك فيما وقعت فيه من أقبح المعاصي ، ومن هنا نعلم الحكمة في
قوله تعالى : ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا
) الإسراء/32 ، فهو تعالى لم ينه عن الزنا فحسب ، بل نهى عن
قربانه ، والمقصود به النهي عن تعاطي أسبابه المؤدية إليه ، ونسأل الله تعالى أن
يستر عليك ، وأن يغفر لك ، وأن يعينك على تحقيق التوبة الصادقة .
ثانياً :
لا شك أن ذنب الزنا ذنب عظيم ، وهو من كبائر الذنوب ، ولذا جاء
فيه من العقوبة ما يدل على عظَمه وقبحه في الشرع والعقل والفطرة .
قال ابن القيم رحمه الله :
" وخصَّ سبحانه حدَّ الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص :
أحدها : القتل فيه بأشنع القتلات ، وحيث خففه جمع فيه بين
العقوبة على البدن بالجلد ، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة .
الثاني : أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه ؛ بحيث
تمنعهم من إقامة الحد عليهم ، فإنه سبحانه من رأفته بهم شرع هذه العقوبة ؛ فهو أرحم
منكم بهم ، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة ؛ فلا يمنعكم أنتم ما يقوم
بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره ... .
الثالث : أنه سبحانه أمر أن يكون حدُّهما بمشهد من المؤمنين ،
فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد ، وذلك أبلغ في مصلحة الحد ، وحكمة الزجر "
انتهى .
" الجواب الكافي " ( ص 144 ، 115 ) .
ثالثاً :
ومع عظَم هذا الذنب ، وقبح هذه المعصية إلا أن الله تعالى فتح
باب التوبة لأصحابها ، ووعدهم إن هم صدقوا في توبتهم أن يبدل سيئاتهم حسنات .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
ماذا يجب على من وقع في جريمة الزنا للخلاص من آثار فعلته تلك ؟
فأجاب :
" الزنا من أعظم الحرام وأكبر الكبائر ، وقد توعد الله المشركين
والقتلة بغير حق والزناة بمضاعفة العذاب يوم القيامة ، والخلود فيه صاغرين مهانين ،
لعظم جريمتهم وقبح فعلهم ، كما قال الله سبحانه : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا
بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ
لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلا مَنْ تَابَ
وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) الفرقان/68، 69 ، فعلى
من وقع في شيء من ذلك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى التوبة النصوح ، واتباع ذلك
بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، وتكون التوبة نصوحا إذا ما أقلع التائب عن الذنب ،
وندم على ما مضى من ذلك ، وعزم عزما صادقا على أن لا يعود في ذلك ، خوفا من الله
سبحانه ، وتعظيما له ، ورجاء ثوابه ، وحذر عقابه ، قال الله تعالى : ( وَإِنِّي
لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) طه/82
، فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر هذه الفاحشة العظيمة ووسائلها
غاية الحذر ، وأن يبادر بالتوبة الصادقة مما سلف من ذلك ، والله يتوب على التائبين
الصادقين ويغفر لهم .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " ( 9 / 442 ) .
رابعاً :
ولا يجوز للزانييْن أن يتزوجا إلا بعد التوبة الصادقة ؛ لأن الله
تعالى حرَّم ذلك على المؤمنين فقال : ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ
ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) النور/3 .
وقد سبق بيان حكم هذه المسألة في جواب السؤال رقم (
14381 ) و (
22448 ) و (
11195 ) فلتنظر .
خامساً :
وإذا كان الجنين قد تمَّ نفخ الروح فيه فإن إسقاطه جريمة أخرى
غير جريمة الزنا ، وقد سبق بيان حكم هذه المسألة في جواب السؤال رقم (
13317 ) و (11195
) و ( 40269 ) فلتنظر .
سادساً :
والحل لمشكلتك أن تطلعي عقلاء أهلك على موضوعك ، ولا بدَّ للمرء
الذي يخالف شرع الله تعالى أن يتحمل تبعات معصيته في كثير من الأحيان ، ولا بدَّ
للأهل أن يقفوا مع ابنتهم الآن قبل غدٍ ، فهي وإن أسقطت جنينها إن كان قبل نفخ
الروح فيه : فهي لم تعد بكراً ، وهذه – أيضاً – لها تبعات عند الزواج ، فهم في كل
الأحوال لا بدَّ لهم من أن يحلوا مشكلة ابنتهم ، وهي قد تابت وأنابت و" التائب من
الذنب كمن لا ذنب له " – رواه ابن ماجه ( 4250 ) ، وحسنه الألباني في " صحيح
الترغيب " ( 3145 ) – وهي إن لم يكن لها ذنب من حيث الإثم بعد
توبتها ، لكن لذنبها آثار عظيمة ينبغي حلها قبل استفحال الأمر وانتشاره بما يؤذي
الأسرة كلها ، وليس الحل في تزويجها لذلك الزاني قبل التوبة ؛ لأن زواج الزاني محرم
– كما سبق - ، فإن تابا فلا حرج عليهما إن شاء الله تعالى في زوجهما .
كما لا يجوز لها التزوج من غيره إلا بعد استبراء رحمها ،
واستبراؤها يكون بوضع الحمل ، والدليل على هذا : ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل
حتى تحيض حيضة ) رواه أبو داود ( 2157 ) ، وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص
الحبير " ( 1 / 171 ، 172 ) : إسناده حسن .
ولمعرفة عظيم فضل الله تعالى في توبته على عباده ، وأنه تعالى
يقبل التوبة من التائبين مهما بلغت ذنوبهم عظمة وكثرة : نرجو الإطلاع على أجوبة
الأسئلة التالية : ( 624 ) و (
13990 ) و (
47834 ) و (
23485 ) و (
20983 ) .
والله أعلم .