الحمد لله
استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة ، والواجب على كل مصل أن
يتحرى جهة القبلة في صلاته ، وأن يجتهد في ضبطها لصلاته ، إما عن طريق العلامات أو
الآلات الدالة عليها ، إن كان يمكنه ذلك ، أو عن طريق خبر الثقات من أهل المكان ،
الذين لهم معرفة بجهة القبلة .
والغالب على الحال التي ذكرتيها أن يكون الانحراف عن جهة القبلة
يسيرا ، وهذا الانحراف اليسير هو الذي يمكن أن يحدث فيه ذلك التردد والاضطراب من
أهل المكان عادةً ؛ بحيث لا ينتبه الإنسان إلى ذلك الفرق بين الجهتين ؛ فإن كان
الأمر كذلك ، يعني أن الانحراف عن القبلة كان يسيرا ، فإن هذا لا يضر ولا تبطل به
الصلاة ؛ لأن الواجب على من كان بعيدا عن الكعبة أن يتجه إلى جهتها ، ولا يشترط في
حقه أن يكون اتجاهه إلى عين الكعبة ، لما رواه الترمذي ( 342 ) وابن ماجة ( 1011 )
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا
بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ ) [ صححه الألباني في الإرواء ]
.
قال الصنعاني رحمه الله في سبل السلام [ 1/260 ] : ( والحديث
دليل على أن الواجب استقبال الجهة ، لا العين في حق من تعذرت عليه العين ) .
ومن الأدلة على ذلك أيضا ، ما رواه البخاري ( 144 ) ومسلم ( 264
) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ
وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلا غَائِطٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا
) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة : ( هذا بيان لأن ما
سوى التشريق والتغريب استقبال للقبلة أو استدبار لها ، و هذا خطاب لأهل المدينة ومن
كان على سمتهم ... لأن ذلك اجماع الصحابة رضي الله عنهم ؛ قال عمر : ما بين المشرق
والمغرب قبلة كله إلا عند البيت ...وعن عثمان رضي الله عنه أنه قال : كيف يخطئ
الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ، ما لم يتحر المشرق عمدا )
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ( وبهذا نعرف أن الأمر واسع ،
فلو رأينا شخصا يصلي منحرفا يسيرا عن مسامتة [ أي : محاذاة ] القبلة ، فإن ذلك لا
يضر ، لأنه متجه إلى الجهة ، وهذا فرضه ) [ الشرح الممتع 2/273 ] .
وأما إن كان الانحراف عن جهة الكعبة كثيرا ؛ بحيث تكون صلاتك إلى
غير الجهة التي فيها القبلة ، إما شرقا ، والقبلة غرب أو شمال ، مثلا ، فما دام
الإنسان قد بنى عمله على قول من يعلم اهتمامهم بأمر الصلاة ، وتعظيمهم لقدرها ،
وكان في ظنه أنهم أدرى منه باتجاه القبلة ، فلا شيء عليه ، وصلاته التي صلاها صحيحة
، حتى ولو كان مخطئا في اتجاهه الذي صلى إليه ؛ لأن الإنسان إذا اجتهد وتحرى ، فقد
فعل ما يجب عليه ، لقول الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
التغابن /16 .
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة [ 6/314 ] : ( إذا اجتهد المصلي في
تحري القبلة وصلى ، ثم تبين أن تحريه كان خطأ ، فصلاته صحيحة ) .
وفي فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله [ 10/421 ] : ( إذا اجتهد
المؤمن في تحري القبلة ، حال كونه في الصحراء ، أو في البلاد التي تشتبه فيها
القبلة ، ثم صلى باجتهاده ، وبعد ذلك ظهر أنه صلى إلى غير القبلة ، فإنه يعمل
باجتهاده الأخير ، إذا ظهر له أنه أصح من اجتهاده الأول ، وصلاته الأولى صحيحة ؛
لأنه أداها عن اجتهاد وتحرٍ للحق ) .