الحمد لله
أخي في الله ليكن أملك في الله تعالى عظيماً ،
ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً بالقنوط من رحمة الله الواسعة التي أوجبها لعباده
المؤمنين ، وما يراود نفسك من كون هذه هي خاتمتك على غير ما يريد الله عز وجل إنما
هي من وساوس الشيطان ونزغاته التي ينزغ بها عباد الله ليفتنهم عن دينهم ، فهو يأتي
العبد الصالح ويوسوس له بأن عمله حابط أو أنه يعمل لغير الله ويرائي الناس بعمله
ليظنوا به خيراً ، وكل هذا من أساليب الشيطان المتكررة مع عباد الله خاصة
الذين ظهرت منهم آثار الاستقامة والصلاح –
أحسبك من هؤلاء ولا أزكي على الله
أحداً – ليعيقهم عن ذلك
أعاذنا الله منه .
ولكنك أخي محتاج لأن تُعظِمَ الرجاء والأمل في
الله الذي يغفر الذنوب جميعاً ، ويَقْبَل العبد الذي لاذ بحماه واستجار بجاهه فإنه
الرحيم الغفور الودود .
ولعلك أن تكثر من الأعمال الصالحة : من قراءة
قرآن , وصدقة , وذكرٍ لله ، وصلة أرحام ... الخ ، وهذا الضعف الذي ينتابك ينتاب
غيرك ، وهو أمرٌ طبيعي فكم من الأشخاص كانوا مثالاً يُقتدى بهم في علو الهمة ثم
فترت همتهم مدةً طويلة ، ثم عادت إليهم همتهم بفضل الله ، وتذكر قول النبي صلى الله
عليه وسلم : " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِنْ
كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ
بِالأَصَابِعِ فَلا تَعُدُّوهُ " رواه الترمذي 2453 وحسنه الألباني في صحيح
الترمذي (1995) .
ومعنى ( إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً ) أَيْ
حِرْصًا عَلَى الشَّيْءِ وَنَشَاطًا وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ ...
( وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ) أَيْ وَهَنًا
وَضَعْفًا وَسُكُونًا .
( فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ ) أَيْ
جَعَلَ صَاحِبُ الشِّرَّةِ عَمَلَهُ مُتَوَسِّطًا وَتَجَنَّبَ طَرَفَيْ إِفْرَاطِ
الشِّرَّةِ وَتَفْرِيطِ الْفَتْرَةِ .
( فَاَرْجُوهُ ) أَيْ ارْجُوا الْفَلاحَ مِنْهُ
فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الدَّوَامُ عَلَى الْوَسَطِ , وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى
اللَّهِ أَدُومُهَا .
( وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ ) أَيْ
اِجْتَهَدَ وَبَالَغَ فِي الْعَمَلِ لِيَصِيرَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ
وَالزُّهْدِ وَسَارَ مَشْهُورًا مُشَارًا إِلَيْهِ ( فَلا تَعُدُّوهُ ) أَيْ لا
تَعْتَدُّوا بِهِ وَلا تَحْسَبُوهُ مِنْ الصَّالِحِينَ لِكَوْنِهِ مُرَائِيًا ,
وَلَمْ يَقُلْ فَلا تَرْجُوهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ وَلَمْ
يُمْكِنْهُ تَدَارُكُ مَا فَرَّطَ . انتهى من تحفة الأحوذي .
فتأمل هذا الحديث واربطه بواقعك وواقع كثير من
الناس غيرك ، وستجد تقارباً واضحاً ، ففي هذا الحديث بيانٌ واضح على أن الإنسان يمر
بمرحلة حماس منقطع النظير ، وإقبالٍ عظيم ، وهمةٍ عالية ، وفجأة يضعف ويتراجع
إقباله وحماسه ، وتفتر همته ، فإذا وصل إلى هذه المرحلة فعليه أن يحرص غاية الحرص
على فعل الواجبات واجتناب المحرمات ، فإن فعل فإنه يُرجى له الفلاح والاستمرار ،
وإن وقع في المحظورات , وترك الواجبات فقد خاب وخسر .
فعليك بكثرة اللجوء إلى الله ، واستغفاره
وسُؤاله الثبات حتى الممات ، كما أُوصيك بالبعد عن المحرمات ، غفر الله ذنبك ،
ويسرَّ أمرك ..
وإلى لقاء قريب والسلام .