الجواب :
الحمد لله
أولاً:
خلط بعض الكتَّاب في مسألة " تحديد جنس الجنين " بين معاني الأحاديث الواردة في
بابه ، فحملوا أحاديث الشبَه و(النزع) الوارد إطلاقه فيها على أن المراد بها تحديد
جنس الجنين ، وليس الأمر كذلك ، بل تحديد الجنس غير الشبَه .
ثانياً:
ذهب أكثر العلماء والأطباء المعاصرين إلى أن الرجل هو المسئول عن تحديد جنس المولود
– بإذن الله - وأن المرأة هي كالأرض المزروعة لا خيار لها في الزرع فما يُزرع فيها
تُنبته بإذن ربها ، وإليه الإشارة في آيات من القرآن الحكيم .
قال الدكتور محمد علي البار – وفقه الله - : " ومن المقرر علميّاً أن جنس المولود
يتحدد في اللحظة الأولى التي يلتقي فيها الحيوان المنوي بالبويضة فيلقحها ، فإذا ما
التقى حيوان منوي يحمل شارة الذكورة " Y " بالبويضة : فإن الجنين سيكون ذكراً بإذن
الله ، أما إذا كان الحيوان المنوي سيلقح البويضة يحمل شارة الأنوثة : فإن الجنين
سيكون أنثى بإذن الله .
إذن الحيوان المنوي أو نطفة الرجل هي التي تحدد نوعية الجنين ذكراً أم أنثى ، (
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا
تُمْنَى ) النجم/ 45 ، 46 ، والنطفة التي تُمنى هي نطفة الرجل بلا ريب ، ويقول
تعالى أيضاً ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً
مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ
( أي : المني ) الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ
عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) القيامة/ 36 - 40 " انتهى من " خلق الإنسان بين
الطب والقرآن " ( ص 297 ، 298 ) .
ثالثاً:
إذا عرفنا وجه الصواب في المسألة على ما ذكرناه ، فكيف نوفق بين ما سبق ، وبين
الحديث الوارد في السؤال ، وفيه أن للمرأة دوراً في تحديد جنس الجنين ؟ .
والجواب على ذلك نقول : إن
هناك ثلاثة اتجاهات في توضيح ذلك وبيانه :
الأول : أن بعض العلماء ذهب إلى أن الإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي ، وأن ما جاء
في حديث ثوبان رضي الله عنه – وهو الذي اشتمل على النص على جنس الجنين – هو وهْمٌ
من بعض رواته ، وأنه في الشبه بأحد الأبوين ، ليس في تحديد الذكورة والأنوثة ، ومن
هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، والشيخ العثيمين رحمه الله من
المعاصرين .
قال ابن القيم – رحمه الله - : " وسئل صلى الله عليه وسلم عن شبَه الولد بأبيه تارة
وبأمه تارة فقال ( إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له ، وإذا سبق ماء
المرأة ماء الرجل فالشبه لها ) متفق عليه ، وأما ما رواه مسلم في صحيحه أنه قال (
إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر الرجل بإذن الله ، وإذا علا ماء المرأة ماء
الرجل آنث بإذن الله ) فكان شيخنا – أي : ابن تيمية - يتوقف في كون هذا اللفظ
محفوظا ويقول : " المحفوظ هو اللفظ الأول ، والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي ،
وإنما هو بأمر الرب تبارك وتعالى للملك أن يخلقه كما يشاء ، ولهذا جعل مع الرزق
والأجل والسعادة والشقاوة " " انتهى من " إعلام الموقعين " ( 4 / 269 ) .
الثاني ، وقد ذهب إليه
الأكثرون : أن الحديث صحيح ، وأنه لا إشكال في كون علو ماء المرأة يسهم في تخلق
المولود إلى أنثى إن أذن الله بذلك – وقد وقع خلاف في معنى " العلو " هل هو السبق ،
أو العلو الحقيقي ، أو الكثرة والقوة - ، وأنه حتى في حال علو ماء المرأة فإنه يؤثر
في اختيار الحيوان المنوي المذكر أو المؤنث ، دون أن يكون له دور رئيسي ، فرجع
الأمر إلى أن المؤثر الحقيقي هو ماء الرجل ، فالمرأة هنا تساهم بدور ثانوي ، وذلك
بتهيئة الظروف لاستقبال الحيوان المنوي ، فالوسط الحامضي يقتل "Y " ويبقي على " X "
من الحيوانات المنوية فيكون جنس المولود أنثى " XX " .
قال الدكتور محمد علي البار – وفقه الله - : " وتضمن الحديث – يعني : حديث ثوبان -
وصفاً لماء الرجل وماء المرأة ، كما تضمن قضية الذكورة والأنوثة وأرجعها إلى أي
الماءين علا ، فالإذكار أو الإيناث تبع له .
ويبدو ذلك معارضاً للآيات الكريمة التي ذكرت أن جنس الجنين يحدده مني الرجل فحسب –
وذكر آية النجم وآية القيامة - كما يبدو معارضاً للمعلومات الطبية التي تؤكد أن جنس
الجنين إنما يحدِّده الحيوان المنوي الذي سيلقح البويضة فإن كان حيواناً منويّاً
يحمل شارة الذكورة " Y " كان الجنين ذكراً ، بإذن الله وإن كان حيوانا منويّاً يحمل
شارة الأنوثة " X " كان الجنين أنثى بإذن الله .
وفي الواقع ليس هناك تعارض ، وربما أثَّر علو ماء الرجل أو ماء المرأة في الحيوانات
المنوية التي سيفلح واحد منها بإذن الله في تلقيح البويضة ، ونحن نعلم أن إفرازات
المهبل حامضية وقاتلة للحيوانات المنوية ، وأن إفرازات عنق الرحم قلوية ولكنها لزجة
في غير الوقت الذي تفرز فيه البويضة ، وترق وتخف لزوجتها عند خروج البويضة ، وإلى
الآن لا ندري مدى تأثير ماء المرأة على نشاط الحيوانات المنوية المذكرة أو المؤنثة
، ولا بد من إجراء بحوث دقيقة لنتبين مدى تأثير هذه الإفرازات على الحيوانات
المنوية المذكرة أو المؤنثة ، ومدى تأثير علوها أو انخفاضها على نشاط هذه الحيوانات
، وهناك من يقول : إن معنى العلو هو الغلبة والسيطرة فإن كانت الغلبة للحيوانات
المذكرة كان إذكار ، وإن كان للمؤنثة كان إيناث بإذن الله " انتهى من " خلق الإنسان
بين الطب والقرآن " ( ص 390 ، 391 ) .
الثالث : وهذا الاتجاه ظهر
حديثاً وهو يجعل المسئولية عن تحديد جنس الجنين مشتركة بين الرجل والمرأة ، وقد
تزعم هذا الاتجاه وأظهره للناس – فيما نعلم - الدكتور جمال حمدان حسانين – اختصاصي
علم التشريح والأجنة – وهي في تفسير حديث ثوبان رضي الله عنه - ، وقد قال ما نصه :
" اندماج الحيوان المنوي مع البويضة يعتمد علي الخصائص الكهربية لهذه الخلايا
الجنسية ، فعندما تكون البويضة " سالبة الشحنة " فإنها تجذب إليها الحيوان المنوي
(Y) الذي يحمل شحنة موجبة وينتج " طفل ذكر " ، وبما أن الحامل للصبغي " الشحنة
الموجبة " هي الأعلى حسب قواعد الطبيعة يكون منيُّ الرجل هو الأعلى ، وبذلك يكون
علو منيُّ الرجل سبباً في إنجاب طفل ذكر " ، وهذا يطابق ما أوضحه الحديث النبوي
بشكل مذهل ( فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة : أذكرا بإذن الله ) .
وأما إذا كانت البويضة موجبة الشحنة فإنها تجذب إليها الحيوان المنوي الحامل للصبغي
(X) الذي يحمل شحنة سالبة وينتج " طفل أنثى " ، وهذا ما أوضحه أيضا الحديث النبوي (
وإذَا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله ) .
وعلي ذلك يكون هناك دور مشترك للرجل والمرأة في تحديد جنس الطفل " . انتهى
ولعل أقرب الأقوال هو
الاتجاه الثاني الذي يرى مسئولية ماء الرجل عن تحديد جنس الجنين ، وأن علو ماء
المرأة الذي يكون معه المولود أنثى ، لا يسلب من ماء الرجل مسئوليته العظمى ، ولا
يعطي دوراً مساوياً لماء المرأة ، مع الاعتراف بحاجتنا إلى دراسة علمية حديثة من
أكثر من عالم ومتخصص لدراسة هذه القضية بكافة أجزائها والخروج بنتيجة علمية متفق
عليها .
والله أعلم