السؤال:
أنوي التقدم لخطبة فتاة ولكن عرفت أن والدها يضع أمواله في البنك وسوف يقوم بتجهيزها من هذا المال... فهل سيكون هذا الجهاز والعفش حلالاً أم حراماً؟
الجواب :
الحمد لله
أكل الربا من كبائر الذنوب ، ومن الموبقات العظام ، قال الله تعالى : (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا
تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) البقرة/278- 279 .
و(لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا
وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ) ورواه مسلم
(1598) .
ولكن التعامل مع آكل الربا جائز ؛ فقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع
اليهود وهم أكلة الربا ، والمحرم في مال آكل الربا هو الزيادة الربوية فقط ،
وباقي ماله – إن كان أصله حلالا – فهو حلال .
فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الذين غالب أموالهم حرام مثل
المكاسين وأكلة الربا وأشباههم . ومثل أصحاب الحرف المحرمة كمصوري الصور
والمنجمين ومثل أعوان الولاة . فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة ؟ أم لا ؟ .
فأجاب :
" الحمد لله ، إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة ؛ لا يحكم
بالتحريم إلا إذا عرف أنه يعطيه ما يحرم إعطاؤه . ولا يحكم بالتحليل إلا إذا
عرف أنه أعطاه من الحلال . فإن كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة ،
وإن كان الحرام هو الأغلب قيل بحل المعاملة . وقيل : بل هي محرمة .
فأما المعامل بالربا فالغالب على ماله الحلال ؛ إلا أن يعرف الكره من وجه آخر .
وذلك أنه إذا باع ألفا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط .
وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال ؛ بل له أن يأخذ قدر الحلال
كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر فإنه يقسم بين الشريكين
. وكذلك من اختلط بماله : الحلال والحرام أخرج قدر الحرام والباقي حلال له .
والله أعلم " انتهى .
"مجموع الفتاوى" (29 / 272-273) .
وقد اختار الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله أن المال المكتسب بطريق حرام كآكل
الربا ، والمغنية ، وتاجر المخدرات ، والمرتشي ... إنما يحرم على المكتسب له
فقط ، أما من أخذ هذا المال منه بسبب مباح ، كنفقته على أولاده وزوجته ، وهدية
وأجرة على عمل ... ونحو ذلك فهو حلال لمن أخذه .
فقال رحمه الله :
"كل شيء اكتسب بالحرام فإنه يكون حراماً ولا ينفع صاحبه الذي اكتسبه ، إن أنفقه
لم يبارك له فيه ، وإن تصدق به لم يقبل منه ، وإن خلفه كان زاداً له إلى النار
.
أما بالنسبة لمن بذل له ذلك الشيء فإنه لا يكون حراماً عليه ؛ وذلك لأن التحريم
كان للكسب لا للعين ، فكل شيء محرم لكسبه يكون حراماً على الكاسب فقط ، وأما من
أخذه من هذا الكاسب بطريق حلال فإنه ليس حراماً عليه ، أما ما كان حراماً بعينه
[كالمال المسروق والمغصوب] فإنه حرام على الكاسب وعلى غيره " انتهى .
"فتاوى نور على الدرب" (13/179)
وقال أيضا :
" لا بأس بقبول الإنسان الزكاة أو التبرعات من البنوك الربوية ؛ لأنه أخذها بحق
، والإثم على البنك إذا كان اكتسبه بربا ، والدليل على هذا : أن الرسول صلى
الله عليه وعلى آله وسلم قَبِل الهدية من اليهود ، وأجاب دعوة اليهود ، ومعلومٌ
أن اليهود يأكلون الربا ، ويكسبون الأموال بالسحت .
وكذلك أيضاً : عامَلَ اليهود في خيبر ، أي : أعطاهم من النخل والزرع ، على أن
لهم النصف وللمسلمين النصف ، ومعلوم أنهم يكتسبون من الربا .
فلذلك خذ قاعدةً مفيدةً : كل من اكتسب شيئاً بطريق مباح ، فليس عليه إثم من
اكتسبه بطريق محرم ؛ لأن هذا محرم لكسبه ، فيكون حراماً على من كسبه بغير حق ،
إلاَّ إذا علمت أن هذا المال مال فلان ، مثل : إنسانٌ سارقٌ سرق شاة وأتى بها
إليك يهديها لك ، هذا لا يجوز أن تقبلها منه ؛ لأنك تعرف أن هذه الشاة شاة فلان
، لكن ما كان محرماً من أجل الكسب ، فإن مَن أخذه بحق فهو حلال له" انتهى .
"لقاء الباب المفتوح" (140 / 27)
وعلى هذا : فلا بأس من التقدم لخطبة هذه الفتاة ، إذا كانت ذات دين وخلق ، ولا
يضرك كون أبيها يضع أمواله بالبنك الربوي ؛ وسيجهز ابنته من ماله ، فإثم هذا
المال الحرام على أبيها فقط ، وليس عليها ولا عليك إثم فيه إن شاء الله .
وعليك نصح أبيها ، ونهيه عن هذا المنكر ، وبيان أن الربا ممحوق البركة ، ثم هو
حسرة وعار على صاحبه يوم القيامة .
وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم : (105827)
و (45018) .
والله أعلم