الجواب :
الحمد لله
لا تعارض بين أقوال أهل العلم في هذه المسألة بحمد الله ، وبيان ذلك كالتالي :
أولا :
اتفق أهل السنة والجماعة على أن صاحب الكبيرة إن لقي الله تعالى تائبا منها توبة
نصوحا لم يعذبه الله عليها ، ولم يؤاخذه بها ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ،
وقد قال الله تعالى :
( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان /
70
ثانيا :
من لقي الله ولم يتب من كبيرته : فهو في مشيئة الله : إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له
، خلافا لمن أوجب نفوذ الوعيد في أهل الكبائر ، بل حكم بخلودهم في النار لأجل ذلك ،
كالخوارج والمعتزلة . أو نفى أن يلحق الوعيد أحدا من أهل القبلة ، من غلاة المرجئة
.
قال الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) النساء / 48
قال ابن جرير الطبري رحمه الله :
" وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن
شاء عاقبه عليه ، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله " انتهى .
"تفسير الطبري" (8 / 450) .
ثالثا :
من لقي الله تعالى من أهل التوحيد من أصحاب الذنوب ، من الكبائر وغيرها : فمن رجحت
حسناته على سيئاته ، دخل الجنة ولم يعذب ، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار
على قدر سيئاته ، ثم مآله إلى الجنة .
قال الله تعالى :
( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ
مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ) الأعراف / 8 - 9
وقال سبحانه : ( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ
رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) القارعة /
6 - 9
وقال شيخ الإسلام رحمه الله :
" وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون من النار ، ويشفع
فيهم ، وأن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ؛ ولكن قد يحبط ما يقابلها عند
أكثر أهل السنة ، ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر ، كما لا يحبط جميع السيئات إلا
التوبة ، فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك وإن
كان مستحقا للعقوبة على كبيرته "
انتهى . "مجموع الفتاوى" (10/321-322) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
" أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فعملوا حسنات وكبائر ولقوا الله مصرين عليها
غير تائبين ، منها لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم ، فإذا وزنت بها ورجحت كفة الحسنات
فهؤلاء أيضا ناجون فائزون . قال تعالى : ( والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه
فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا
يظلمون )
قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة : " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة
أصناف : فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن رجحت سيئاته على حسناته
بواحدة دخل النار ، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف " .
وهذه الموازنة تكون بعد قصاص واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته ، فإذا بقي شيء
منها وزن هو وسيئاته " انتهى .
"طريق الهجرتين" (1 / 562) .
رابعا :
لا يعني ذلك أن من رجحت سيئاته بواحدة دخل النار ؛ بل هو مستحق للعذاب بفعله ، ثم
هو ـ مع ذلك ـ داخل في مشيئة الله تعالى ، كما هي قاعدة أهل السنة في أهل الكبائر ؛
إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه .
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله :
" س : ما الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : « فهو إلى الله إن شاء
عفا عنه وإن شاء عاقبه » [ متفق عليه ] ، وبين ما تقدم من أن من رجحت سيئاته
بحسناته دخل النار ؟
جـ : لا منافاة بينهما ، فإن من يشأ الله أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير
الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالعرض ، وقال في صفته : « يدنو أحدكم من ربه
عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقول : عملت كذا وكذا ، فيقول : نعم ، ويقول : عملت كذا
وكذا ، فيقول : نعم . فيقرره ثم يقول : إني سترت عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك
اليوم » [ متفق عليه ] .
وأما الذين يدخلون النار بذنوبهم فهم ممن يناقش الحساب ، وقد قال صلى الله عليه
وسلم : « من نوقش الحساب عذب » [ متفق عليه ] " . انتهى .
"أعلام السنة المنشورة" (171) .
والله تعالى أعلم .
وللاستزادة : راجع إجابة السؤال رقم : (98964)
، (107241)
، (112113)
.