الجواب :
الحمد لله
أولا
:
إذا كان هذا الشخص المشار إليه ، أو غيره ، متعالنا بفسقه وفجوره ، كأهل الرقص
والمجون ، ودعاة السوء : فهذا لا حرمة له في ذلك ، ويجوز ذكر ذلك عنه ، إذا كان في
ذكره مصلحة شرعية ، من تحذير للناس من فعله ، ونهيهم عن سبيله ، ونحو ذلك من
المصالح .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" ما يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا غيبة لفاسق : فليس هو من كلام
النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه مأثور عن الحسن البصري أنه قال : أترغبون عن ذكر
الفاجر ؛ اذكروه بما فيه يحذره الناس ...
وهذا النوعان يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء :
أحدهما
: أن يكون الرجل مظهر للفجور ، مثل الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة ؛ فإذا
أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب القدرة ، ويهجر ويذكر ما فعله ، ويذم على ذلك ،
ولا يرد عليه السلام إذا أمكن من غير مفسدة راجحة . وينبغي لأهل الخير أن يهجروه
حيا إذا كان في ذلك كف لأمثاله ، ولا يشيعوا جنازته . وكل من عَلم ذلك منه ولم ينكر
عليه فهو عاص لله ورسوله . فهذا معنى قولهم : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له .
بخلاف من كان مستترا بذنبه مستخفيا : فإن هذا يستر عليه ، لكن ينصح سرا .
النوع الثاني
: أن يستشار الرجل في مناكحته ومعاملته أو استشهاده
[ يعني : جعله شاهدا على عقد ونحوه ]
، ويعلم أنه لا يصلح لذلك : فينصح مستثيره ببيان حاله ؛ فهو كما قال الحسن : اذكروه
بما فيه يحذره الناس ؛ فإن النصح في الدين من أعظم النصح في الدنيا " انتهى .
"مختصر الفتاوى المصرية" (503) .
ثانيا
:
إذا جازت غيبة الفاسق المتعالن بفسقه ، أو ترجحت لمصلحة شرعية ، فإن الواجب ألا
يتجاوز ذلك حدود ما تهتك فيه من المعاصي ؛ فلا يجوز أن يحمل عليه ـ ظلما وبهتانا ـ
ما لم يتحقق القائل أنه فعله من المعاصي ، ولا يجوز أن يذكر عنه ما استتر به بينه
وبين ربه .
قال المناوي رحمه الله :
" (اذكروا الفاجر) الفاسق (بما فيه) : من الفجور ، وهتك ستر الديانة ؛ فذكره بذلك
من النصيحة الواجبة لئلا يغتر به مسلم فيقتدي به في فعلته ، أو يضله في بدعته ، أو
يسترسل له فيؤذيه بخدعته .
وبيَّن قولُه : ( بما فيه ) : أنه لا يجوز ذكره بغير ما فيه ، ولا بما لا
يعلن به .
قال ابن عون : دخلت على ابن سيرين فذكرت الحجاج ؛ أي : بما لم يتظاهر به . فقال :
إن الله ينتقم للحجاج ، كما ينتقم منه ؛ وإنك إذا لقيت الله غدا كان أصغر ذنب
أصبتَه أشدَّ عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج !!
وأشار بقوله : ( يحذره ) : أي لكي يحذره الناس ، إلى أن مشروعية ذكره بذلك مشروطة
بقصد الاحتساب ، وإرادة النصيحة ؛ دفعا للاغترار ونحوه مما ذكر ؛ فمن ذكر واحدا
من هذا الصنف تشفيا لغيظه أو انتقاما لنفسه أو احتقارا أو ازدراء ونحو ذلك من
الحظوظ النفسانية فهو آثم ، كما ذكره الغزالي ثم السبكي فيما نقله عنه ولده "
انتهى .
"فيض القدير" (1/151) .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" هل يجوز غيبة تارك الصلاة ؟ " .
فأجاب :
" الحمد لله
إذا قيل عنه إنه تاركُ للصلاة ، وكان تاركَها : فهذا جائز . ويَنبغي أن
يُشاعَ ذلك عنه ويُهْجَر حتى يُصلي ، وأمَّا مع القدرة فيجِبُ أن يُستَتابَ ، فإن
تابَ وإلا قُتِل " .
"جامع المسائل" (4/122) .
على أنه متى تردد القائل أو الناشر في حصول المصلحة الشرعية الراجحة من وراء ذلك :
فالواجب عليه إيثار السلامة ، وتغليب حرمة المسلم على ذكر قول لا يتيقن من نفعه .
والله أعلم .