الجواب :
الحمد لله
ذهب
كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية الكريمة : (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/32 ، وعدٌ من
الله تعالى للفقراء بالغنى إن أرادوا النكاح .
قال
ابن عباس رضي الله عنهما : أمر الله سبحانه بالنكاح ، ورغَّبهم فيه ، وأمرهم أن
يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم ، ووعدهم في ذلك الغنى .
وعن
ابن مسعود : التمسوا الغنى في النكاح ، يقول الله تعالى : (إِنْ يَكُونُوا
فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
"تفسير الطبري" (19/166) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
"وقد زوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد إلا إزاره ، ولم
يقدر على خاتم من حديد ، ومع هذا فزوّجه بتلك المرأة ، وجعل صداقها عليه أن يعلمها
ما يحفظه من القرآن .
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه وإياها ما فيه كفاية له ولها" انتهى .
"تفسير ابن كثير" (6/51-52) .
وقال ابن عاشور رحمه الله :
"
وعد الله المتزوج من هؤلاء إن كان فقيرا أن يغنيه الله ، وإغناؤه تيسير الغنى إليه
إن كان حرا ، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدا" انتهى .
"التحرير والتنوير" ( ص 2901) .
وقال السعدي رحمه الله :
"فلا يمنعكم ما تتوهمون من أنه إذا تزوج افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه ، وفيه حث
على التزوج ، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر" انتهى .
"تفسير السعدي" ( ص 567) .
ويؤيد ذلك : ما رواه الترمذي (1655) عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى
اللَّهِ عَوْنُهُمْ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي
يُرِيدُ الْأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) . وحسنه الألباني
في "صحيح الترمذي" .
ولا
شك أن كثيراً ممن تزوجوا لم يحصل لهم الغنى بالمال ، وماتوا وهم فقراء ، وقد ذكر
العلماء رحمهم الله أوجهاً كثيرة للجمع بين هذا الواقع ، وبين هذه الآية الكريمة :
(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ
إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ) النور/32 ، منها :
1-
أنه ليس المقصود بالغنى في الآية الغنى بالمال ، وإنما المراد غنى النفس ، وهو
القناعة ، وهذا الغنى أفضل من غنى المال ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لَيْسَ
الْغِنَى
عَنْ
كَثْرَةِ
الْعَرَضِ،
وَلَكِنَّ
الْغِنَى
غِنَى
النَّفْسِ) رواه البخاري (6446) .
قال
السمرقندي :
"والغنى على وجهين : غني بالمال وهو أضعف الحالين ، وغنى بالقناعة وهو أقوى
الحالين" انتهى .
"بحر العلوم" (3/214) .
وانظر : تفسير القرطبي (12/241 ، 242) .
2-
أنه ليس المقصود بالفقر والغنى في الآية المال ، وإنما المراد أن من أراد أن يتزوج
ليعف نفسه وهو محتاج إلى ذلك ، فإن الله تعالى ييسر له النكاح الحلال ليستغن به عن
الزنا .
قال
القرطبي : "وقيل : المعنى : إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بالحلال
ليتعففوا عن الزنا " انتهى .
"تفسير القرطبي" (12/241 ، 242) .
3-
أن هذه الآية الكريمة : (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ
فَضْلِهِ) مقيدة بمشيئة الله تعالى ، فمن شاء الله أن يغنيه أغناه ، ومن شاء ألا
يغنيه لم يغنه ، وتقييد ذلك بمشيئة الله وإن لم يذكر في الآية الكريمة ، إلا أنه
معلوم ، وقد ذُكر مثله في آيات أخرى ، كقوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً
فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ)التوبة/28 ، وقوله تعالى :
(يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) الرعد/26 ، وقوله : (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ
إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) الأنعام/41 .
قال
الشوكاني :
"
قال الزجاج : حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ، ولا يلزم أن يكون هذا
حاصلا لكل فقير إذا تزوج ؛ فإن ذلك مقيد بالمشيئة ، وقد يوجد في الخارج كثير من
الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا . وقيل المعنى : إنه يغنيه بغنى النفس ، وقيل
المعنى : إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا
. والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من
فضله إن شاء ) فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك " انتهى .
فتح
القدير - (ج 4 / ص 41).
وانظر : "تفسير القرطبي" (12/241 – 242) ، و "تفسير البيضاوي" (ص 184) .
4-
أنه سواء كان المقصود الغنى بالمال ، أو غنى النفس بالقناعة ، فليس في الآية أن هذا
الغنى يكون مستمراً في جميع الأوقات ، بل متى حصل هذا الغنى ولو وقتاً يسيراً فقد
تحقق الوعد المذكور في الآية الكريمة .
قال
القرطبي :
"فإن قيل : فقد نجد الناكح لا يستغنى ، قلنا : لا يلزم أن يكون هذا على الدوام ، بل
لو كان في لحظة واحدة لصدق الوعد" انتهى .
"تفسير القرطبي" (12/241 – 242) وانظر : "أحكام القرآن" (6/84) .
5-
ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله : أن هذه الآية : (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ
يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ليست وعداً بالغنى لكل أحد تزوج ، وإنما هي وعد
لمن ذكروا في الآية فقط ، وهم : الأيامى أي : النساء ، والعبيد والإماء ، فهؤلاء هم
الذين يحصل لهم الغنى ، أما النساء والإماء فيحصل لهن الغنى بنفقة أزواجهن عليهن ،
وأما العبد فيغنيه الله إما بالعمل والكسب ، وإما بإنفاق سيده عليه .
فقال رحمه الله :
"
فإن قيل : فقد قال الله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم
وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) وقال في الآية الأخرى : ( وليستعفف
الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) فأمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى
وأمر بتزويج أولئك مع الفقر وأخبر أنه تعالى يغنيهم ، فما محمل كل من الآيتين؟
فالجواب : أن قوله : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) في
حق الأحرار ، أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله ؛ فإنهم إن
تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم . وأما
قوله : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) فإنه سبحانه أمرهم
فيها أن يُنكحوا الأيامى وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن ، هذا هو المشهور من لفظ
الأيم عند الإطلاق وإن استعمل في حق الرجل بالتقييد ، مع أن العزب عند الإطلاق
للرجل , وإن استعمل في حق المرأة ، ثم أمرهم سبحانه أن يزوجوا عبيدهم وإماءهم إذا
صلحوا للنكاح . فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم , والثانية في حكم تزويجهم
لغيرهم . وقوله في هذا القسم : ( إن يكونوا فقراء ) يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرت
فيه ، فإن الأيم تستغني بنفقة زوجها وكذلك الأمة ، وأما العبد فإنه لما كان لا مال
له وكان ماله لسيده فهو فقير ما دام رقيقا ، فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غاية وهي غناه
ما دام عبدا , بل غناه إنما يكون إذا عتق واستغنى بهذا العتق ، والحاجة تدعوه إلى
النكاح في الرق ، فأمر سبحانه بإنكاحه وأخبر أنه يغنيه من فضله : إما بكسبه وإما
بإنفاق سيده عليه وعلى امرأته ، فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح
الحر ، والله أعلم" انتهى .
"روضة المحبين" (ص 317-318) .
وبهذا يتبين أنه ليس هناك تعارض بين هذه الآية الكريمة وبين الواقع من كون بعض
الناس يتزوج ولا يحصل له الغنى .
والله أعلم