الجواب:
الحمد لله
بعث
الله تعالى رسولَه بالهدى ودين الحق ، ليكون للعالَمين بشيراً ونذيراً ، وقد أدَّى
النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة ، وبلَّغ الرسالة ، وكان ممن سمع منه صلى الله
عليه وسلم نساء ورجال ، وهكذا قام من بعده بوظيفة التبليغ والتعليم الصحابة ، ومن
بعدهم ، وكان في تلامذتهم نساء ورجال ، وقد كانت الأمور منضبطة بضابط الشرع في أمور
التعلم والتعليم ، بعيدة عن الاختلاط المحرَّم ، وكشف المرأة وجهها ، والخضوع في
القول .
والإسلام لا يفرِّق بين الرجال والنساء في العلم والفتيا ، وقد نصَّ أهل العلم على
شروط المفتي ، ولم يذكروا من الشروط : الذكورة ، ولا يُعرف في هذا خلاف بينهم .
قال
النووي رحمه الله :
"شرط المفتى : كونه مكلفاً ، مسلماً ، ثقةً ، مأموناً ، متنزهاً عن أسباب الفسق ،
وخوارم المروءة ، فقيه النفس ، سليم الذهن ، رصين الفكر ، صحيح التصرف ، والاستنباط
، متيقظاً ، سواء فيه الحر ، والعبد ، والمرأة ، والأعمى ، والأخرس إذا كتب ، أو
فُهمت إشارته" انتهى .
"المجموع شرح المهذب" (1/41) .
وقد
كان في هذه الأمة العظيمة من قام بواجب التعليم والفتيا من النساء ، كما قام به من
الرجال .
نعم
، إن عدد النساء لا يمكن مقارنته بالرجال بسبب طبيعة الرجل ، لكن هذا لم يمنع من
وجود نساء يقمن بمهمة التعليم ، والفتيا ، وعلى رأس أولئك النساء : أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها ، وقد كانت مقصد الرجال والنساء في الفتيا ؛ بسبب قربها من
النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكائها ، وفطنتها .
قال
ابن عبد البر في "الاستيعاب" (ص 609) :
"عن
مسروق قال : رأيت مشيخةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها
عن الفرائض .
وقال عطاء بن أبي رباح : كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس رأياً
في العامة .
وقال هشام بن عروة عن أبيه : ما رأيت أحداً أعلم بفقه ، ولا بطب ، ولا بشعْر من
عائشة .
وقال الزهري : لو جُمع عِلْم عائشة إلى عِلْم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
، وعِلم جميع النساء : لكان عِلم عائشة أفضل" انتهى .
وقد
عدَّ ابن القيم رحمه الله المكثرين من الفتيا من الصحابة ، وذكر منهم عائشة رضي
الله عنها ، وعدَّ أم سلمة رضي الله عنها من المتوسطين ، وجعل أم عطية ، وصفية أم
المؤمنين ، وحفصة ، وأم حبيبة ، من المقلِّين في الفتيا .
انظر : "إعلام الموقعين" (1/12 ، 13) .
ونحن نسوق هنا بعض من وصفهن الإمام الذهبي رحمه الله بالعلم والفقه في كتابه "سيَر
أعلام النبلاء" ، توكيداً لما ذكرناه :
1.
صفية بنت شيبة .
قال
الذهبي رحمه الله :
صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، الفقيهة ، العالمة .
"سير أعلام النبلاء" (3/507 ، 508) .
2.
أم الدرداء .
قال
الذهبي رحمه الله :
أم
الدرداء ، السيدة ، العالمة ، الفقيهة ، وهي أم الدرداء الصغرى
.
روت
علماً جمّاً عن زوجها أبي الدرداء ، وعن سلمان الفارسي ، وكعب بن عاصم الأشعري ،
وعائشة ، وأبي هريرة ، وطائفة .
وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء .
وطال عمرها ، واشتهرت بالعلم ، والعمل ، والزهد .
قال
مكحول : كانت أم الدرداء فقيهة
.
"سير أعلام النبلاء" (4/277 ، 278) .
3.
معاذة العدوية (ت 83 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
معاذة بنت عبد الله ، السيدة ، العالمة ، أم الصهباء العدوية البصرية ، العابدة ،
زوجة السيد القدوة صلة بن أشيم
.
روت
عن علي بن أبي طالب ، وعائشة ، وهشام بن عامر
.
"سير أعلام النبلاء" (4/508 ، 509) .
4.
بنت المحاملي (ت 377 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
العالمة ، الفقيهة ، المفتية ، أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل
.
تفقهت بأبيها ، وروت عنه ، وعن إسماعيل الوراق ، وعبد الغافر الحمصي ، وحفظت القرآن
، والفقه للشافعي ، وأتقنت الفرائض ، والعربية ، وغير ذلك .
قال
البرقاني : كانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة .
وقال غيره : كانت من أحفظ الناس للفقه .
"سير أعلام النبلاء" (15/264) .
5.
كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم أم الكرام المرزوية (ت 463 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
الشيخة ، العالمة ، الفاضلة ، المسندة ، أم الكرام .
"سير أعلام النبلاء" (18/233 ، 234) .
6.
عائشة بنت حسن بن إبراهيم (ت 460 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
الواعظة ، العالمة ، المسندة ، أم الفتح الاصبهانية ، الوركانية .
قال
ابن السمعاني : سألت الحافظ إسماعيل عنها ، فقال : امرأة صالحة ، عالمة ، تعظ
النساء.
"سير أعلام النبلاء" (18/302) .
7.
فاطمة الدقَّاق (ت480 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
فاطمة بنت الأستاذ الزاهد أبي علي ، الحسن بن علي الدقاق ، الشيخة ، العابدة ،
العالمة ، أم البنين ، النيسابورية ، أهل الأستاذ أبي القاسم القشيري ، وأم أولاده
.
"سير أعلام النبلاء" (18/479 ، 480) .
8.
بنت زعبل (ت532 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
الشيخة ، العالمة ، المقرئة ، الصالحة ، المعمرة ، مسندة نيسابور ، أم الخير ،
فاطمة بنت علي بن مظفر بن الحسن بن زعبل بن عجلان البغدادي ، ثم النيسابورية
.
"سير أعلام النبلاء" (19/625) .
9.
فاطمة بنت البغدادي (ت539 هـ) .
قال
الذهبي رحمه الله :
الشيخة ، العالمة ، الواعظة ، الصالحة ، المعمرة ، مسندة أصبهان ، أم البهاء ،
فاطمة بنت محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن بن علي بن البغدادي الأصبهاني .
"سير أعلام النبلاء" (20/148) .
فهذه طائفة من نساء فاضلات ، عالمات ، مفتيات ، ولا يمنع الإسلام أحداً من أهل
العلم ، رجلاً كان أم امرأة أن يفتي ، ويعلم الناس دين الله تعالى .
وينبغي التنبيه إلى أن هناك فرقاً بين الفتوى والقضاء ، فالفتوى هي الإخبار بالحكم
الشرعي ، وهذا لا يُمنع منه أحد ، إذا كان أهلاً لذلك ، أما القضاء فقد دلت الأدلة
الشرعية ، وجرى عليه عمل الأمة الإسلامية أن المرأة لا تتولى القضاء ، وقد سبق بيان
ذلك في جواب السؤال رقم (71338)
.
والله أعلم