الجواب:
الحمد لله
يمكن الكلام عن هذا الحديث ضمن المباحث الآتية :
أولا : نص الحديث وتخريجه .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ :
(
تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا ،
فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ ، فَجَعَلْنَا
نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ
مِنَ النَّارِ . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ) رواه البخاري (حديث رقم/60) ، ورواه
مسلم (رقم/241) بلفظ آخر فيه :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :
(
رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ
إِلَى الْمَدِينَةِ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ
عِنْدَ الْعَصْرِ ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ
وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ
أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ )
وقد
روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ، كما قال الإمام الترمذي
رحمه الله – بعد أن روى الحديث نفسه عن أبي هريرة رضي الله عنه - :
"
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ، وعائشة ، وجابر ، وعبد الله بن الحارث ، ومعيقيب ،
وخالد بن الوليد ، وشرحبيل ابن حسنة ، وعمرو بن العاص ، ويزيد بن أبي سفيان "
انتهى.
"
سنن الترمذي " (1/96)
ثانيا : راوي الحديث .
هو
الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص ، وكان من علماء الصحابة ومن المكثرين
مِن الرواية ، فقد كان يَكتب كل شيء يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في صحف خاصة
عنده ، حتى اشتهرت إحدى صحائفه التي سماها بـ " الصادقة "، توفي ليالي الحرة
بالطائف.
ثالثا : معاني كلماته ( غريب الحديث ).
(
تخلف عنا ) : أي تأخر عنا .
(
أرهقتنا الصلاة ) : أي كاد وقتها أن يخرج .
يقول بدر الدين العيني رحمه الله :
"
أي : غشيتنا الصلاة . أي : حملتنا الصلاة على أدائها . وقيل قد أعجلتنا لضيق وقتها
. وقال القاضي : ومنه المراهق بالفتح في الحج ، ويقال بالكسر : وهو الذي أعجله ضيق
الوقت أن يطوف " انتهى.
"
عمدة القاري " (2/8)
(
ويل ) : اختلف العلماء في معناها ، فمنهم من قال : هو واد في جهنم ، ومنهم من قال
غير ذلك ، والجميع متفق على أنها كلمة وعيد وتخويف وتهديد .
يقول بدر الدين العيني رحمه الله :
"
ويل من المصادر التي لا أفعال لها وهي كلمة عذاب وهلاك " انتهى.
" عمدة القاري " (2/9)
(
الأعقاب ) : جمع عقب ، وهو مؤخر القدم .
رابعا : الفوائد الفقهية المستنبطة من الحديث .
1-
وجوب غسل الرجلين في الوضوء
، وعدم إجزاء المسح من غير غسل ، نأخذ ذلك من إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على
الصحابة مسحهم أرجلهم مسحا سريعا من غير غسل وإجراء للماء عليها ، وهذا الحكم متفق
عليه بين مذاهب المسلمين الأربعة، ولذلك بوب عليه الإمام البخاري بقوله : " باب غسل
الرجلين ولا يمسح على القدمين " انتهى. " صحيح البخاري " (كتاب الوضوء/ باب رقم
27)، وقال
الإمام الترمذي رحمه الله : " وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا
لم يكن عليهما خفان أو جوربان " انتهى. " سنن الترمذي " (1/96)
وبوب عليه النسائي بقوله : باب إيجاب غسل الرجلين . " سنن النسائي " (كتاب الطهارة/
باب رقم 89)، كما بوب عليه البيهقي رحمه الله بقوله : " باب الدليل على أن فرض
الرجلين الغسل وأن مسحهما لا يجزئ " انتهى. " السنن الكبرى " (1/68)، وبوب عليه
الإمام ابن خزيمة بقوله : " باب التغليظ في ترك غسل العقبين في الوضوء ، والدليل
على أن الفرض غسل القدمين لا مسحهما إذا كانتا غير مغطيتين بالخف أو ما يقوم مقام
الخف ، لا على ما زعمت الروافض أن الفرض مسح القدمين لا غسلهما ، إذ لو كان الماسح
على القدمين مؤديا للفرض لما جاز أن يقال لتاركٍ فضيلةً : ويل له " انتهى. " صحيح
ابن خزيمة " (1/83)
2-
وجوب تعميم أعضاء الوضوء بالغسل
، وذلك بإيصال الماء إلى جميع أجزاء أعضاء الوضوء وعدم ترك أي محل منها ، نجد ذلك
في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث : ( ويل للأعقاب من النار ) فتخصيصه ذكر
الأعقاب لأنها في مؤخرة القدم، فهي مظنة لعدم وصول الماء إليها لمن لم يتعاهدها
بذلك ، فدل على ضرورة العناية بإسباغ الوضوء في محل الفرض . وقد استنبط الإمام
البخاري رحمه الله هذه الفائدة من الحديث في إحدى المواضع التي أخرجه فيها ، فقال :
"
باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين " انتهى. " صحيح البخاري " (كتاب الوضوء/باب
رقم 27)
وبوب النووي رحمه الله على هذا الحديث في " شرح مسلم " بقوله : باب وجوب غسل
الرجلين بكمالهما . " صحيح مسلم " (كتاب الوضوء/باب رقم 9). وبوب عليه أبو داود في
سننه : باب في إسباغ الوضوء . " سنن أبي داود " (كتاب الطهارة، باب رقم 46)
خامسا : الفوائد الأخرى المستنبطة من الحديث .
في
هذا الحديث فوائد كثيرة أخرى للمتأمل ، منها :
1-
شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، حيث كان يتأخر عن القافلة ويمشي آخرها
كي يعين ضعيفهم ويحمل عاجزهم ويتفقد أحوالهم .
2-
حرص
الصحابة رضوان الله عليهم على أداء الصلاة وعدم تأخيرها عن وقتها ولو كانوا في حال
السفر والتعب والنصب .
3-
حرص
النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أصحابه وبيان الحكم الشرعي عند حاجتهم إليها ،
وعدم سكوته صلى الله عليه وسلم عن الخطأ إن وقع منهم .
4-
وفي
الحديث فائدةٌ نبَّه عليها البخاري رحمه الله بقوله في تبويب الحديث بقوله : " باب
من رفع صوته بالعلم " انتهى. صحيح البخاري " (كتاب العلم/باب رقم 3). يقول الحافظ
ابن حجر رحمه الله
:
" واستدل المصنف على جواز رفع الصوت بالعلم بقوله : ( فنادى بأعلى صوته ) ، وإنما
يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إليه لبعد أو كثرة جمع أو غير ذلك ، ويلحق بذلك
ما إذا كان في موعظة كما ثبت ذلك في حديث جابر : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم
إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته ) الحديث أخرجه مسلم " انتهى. " فتح
الباري " (1/143)
5-
وفي
قول الراوي رضي الله عنه ( مرتين أو ثلاثا ) دليل أيضا على الأسلوب التعليمي النافع
الذي كان يستعمله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بتكرار الكلام بالعلم كي يحفظ عنه
المستمعون ويتثبت المتشككون ، وقد أخرج البخاري الحديث أيضا في موقع آخر وبوب عليه
بقوله : باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه . " صحيح البخاري " (كتاب العلم/ باب
رقم 30)
6-
وفي
الحديث أيضا تذكير المسلم بضرورة تحري موافقة الشريعة في جميع أفعاله وأقواله ، ولا
يتهاون في شيء منها ، فقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الذين لا يبلغ الماء
أعقابهم في الوضوء بالويل والنار يوم القيامة ، وهو أمر يسير في نظر كثير من الناس
، ولكنه عند الله عظيم ، فليحذر المسلمون أن يتهاون فيما قد يكون سبب هلاكه في
الآخرة ، وقد قال الله تعالى : (
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) النور/15.
والله أعلم .