الحمد لله
الدَّين الذي للمسلم على غيره لا يخلو من أن يكون على أحد حالين :
الأولى : أن يكون عند مقرٍّ به ، معترف بمقداره ، باذل له .
والثانية : أن يكون عند معترف به ، لكنه معسر ، أو مماطل ، أو يكون عند جاحد له .
ففي
الحال الأولى : يزكي الدَّين بإضافته إلى ما معه من مال ، فيزكي عن جميع ماله ،
وذلك كل عام ، ولو لم يقبضه من المدين ؛ لأنه بمثابة الوديعة ، ويجوز له أن يؤجل
أداء زكاة الدَّيْن لحين قبضه ، ويؤدي زكاته عن الأعوام كلها .
وفي
الحال الثانية : ليس عليه زكاة ، لكنه إذا قبضه فالأحوط له : أن يزكيه عن عامٍ واحد
، ولو مكث عند المعسر ، أو المماطل ، أو الجاحد ، أعواماً عديدة .
هذا
ملخص للراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة ، وهناك اختلاف بينهم فيما ذكرنا من
مسائل ، وهذا عرض مختصر لأقوالهم في ذلك :
جاء
في " الموسوعة الفقهية " ( 23 / 238 ، 239 ):
"الدَّيْن مملوك للدائن ، ولكنه لكونه ليس تحت يد صاحبه : فقد اختلفت فيه أقوال
الفقهاء : فذهب ابن عمر ، وعائشة ، وعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهم : إلى أنه
لا زكاة في الدَّين ، ووجهه : أنه غير نامٍ ، فلم تجب زكاته ، كعروض القُنية - وهي
العروض التي تقتنى لأجل الانتفاع الشخصي - .
وذهب جمهور العلماء : إلى أن الدَّيْن الحالَّ قسمان : دين حال مرجو الأداء ، ودين
حال غير مرجو الأداء .
فالدَّين الحالُّ المرجو الأداء : هو ما كان على مقرٍّ به ، باذلٍ له ، وفيه أقوال
: فمذهب الحنفية ، والحنابلة ، وهو قول الثوري : أن زكاته تجب على صاحبه كلَّ عام ؛
لأنه مال مملوك له ، إلا أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة منه ما لم يقبضه ، فإذا قبضه
زكاه لكل ما مضى من السنين .
ووجه هذا القول : أنه ديْن ثابت في الذمة ، فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه ؛ ولأنه لا
ينتفع به في الحال ، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به ، على أن
الوديعة التي يقدر صاحبها أن يأخذها في أي وقت ليست من هذا النوع ، بل يجب إخراج
زكاتها عند الحول .
ومذهب الشافعي في الأظهر ، وحماد بن أبي سليمان ، وإسحاق ، وأبي عبيد : أنه يجب
إخراج زكاة الديْن المرجو الأداء في نهاية كل حول ، كالمال الذي هو بيده ، لأنه
قادر على أخذه والتصرف فيه .
وجعل المالكية الديْن أنواعا : فبعض الديون يزكَّى كل عام ، وهي دين التاجر المدير
[أي الذي يبيع ويشتري للتجارة] عن ثمن بضاعة تجارية باعها .
وبعضها يزكَّى لحولٍ من أصله لسنَة واحدة عند قبضه ، ولو أقام عند المدين سنين ،
وهو ما أقرضه لغيره من نقد ، وكذا ثمن بضاعة باعها محتكر .
وبعض الديون لا زكاة فيه ، وهو ما لم يقبض ، من نحو هبة ، أو مهر ، أو عوض جناية .
وأما الديْن غير المرجو الأداء : فهو ما كان على معسرٍ ، أو جاحد ، أو مماطل ، وفيه
مذاهب : فمذهب الحنفية فيه ، وهو قول قتادة وإسحاق ، وأبي ثور ، ورواية عن أحمد ،
وقول للشافعي : أنه لا زكاة فيه ؛ لعدم تمام المِلك ؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع
به .
والقول الثاني : وهو قول الثوري ، وأبي عبيد ورواية عن أحمد ، وقول للشافعي هو
الأظهر : أنه يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين ؛ لما روي عن علي رضي الله عنه في
الدين المظنون : (إن كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى) .
وذهب مالك إلى أنه: يزكيه إذا قبضه لعامٍ واحد وإن أقام عند المدين أعواماً ، وهو
قول عمر بن عبد العزيز ، والحسن والليث ، والأوزاعي" انتهى باختصار يسير .
والذي رجحناه هنا : هو ما يفتي به علماء اللجنة الدائمة للإفتاء ، والشيخ محمد بن
صالح العثيمين.
وانظر جواب السؤال رقم (1117) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله بعد عرض الأقوال في المسألة - :
"والصحيح : أنه تجب الزكاة فيه كل سنة ، إذا كان على غني باذل ؛ لأنه في حكم
الموجود عندك ؛ ولكن يؤديها إذا قبض الدين ، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله ،
والأول : رخصة ، والثاني : فضيلة ، وأسرع في إبراء الذمة .
أما
إذا كان على مماطل ، أو معسر : فلا زكاة عليه ، ولو بقي عشر سنوات ؛ لأنه عاجز عنه
، ولكن إذا قبضه : يزكيه مرة واحدة في سنَة القبض فقط ، ولا يلزمه زكاة ما مضى .
وهذا القول قد ذكره الشيخ العنقري في حاشيته عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ،
وأحفاده ، رحمهم الله ، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله ، وهذا هو الراجح ؛ لما يلي
:
أولاً : أنه يشبه الثمرة التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها ، والأجرة ، التي
اختار شيخ الإسلام وجوب الزكاة فيها حين القبض ، ولو لم يتم عليها حول .
ثانياً : أن من شرط وجوب الزكاة : القدرة على الأداء ، فمتى قدر على الأداء : زكَّى
.
ثالثاً : أنه قد يكون مضى على المال أشهر من السنَة قبل أن يخرجه ديْناً .
رابعاً : أن إسقاط الزكاة عنه لما مضى ، ووجوب إخراجها لسنَة القبض فقط : فيه تيسير
على المالك ؛ إذ كيف نوجب عليه الزكاة مع وجوب إنظار المعسر ، وفيه أيضاً تيسير على
المعسر ؛ وذلك بإنظاره .
ومثل ذلك : المال المدفون المنسي ، فلو أن شخصاً دفن ماله خوفاً من السرقة ، ثم
نسيه : فيزكيه سنة عثوره عليه فقط .
وكذلك المال المسروق إذا بقي عند السارق عدة سنوات ، ثم قدر عليه صاحبه : فيزكيه
لسنَة واحدة ، كالديْن على المعسر" انتهى .
"
الشرح الممتع على زاد المستقنع " ( 6 / 27 ، 28 ) .
والخلاصة :
عليك أن تزكي هذا المال عن السنوات الثلاثة التي كنت مشاركاً فيها لصاحبك .
وبعد ذلك ـ من أول اتفاقك معه على رد المال ـ فقد تحول هذا المال من مال مشاركة إلى
دَيْن على صاحبك ، والظاهر من حال صاحبك أنه معسر ، فلا زكاة عليك في هذا المال حتى
تقبضه ، فتزكيه عن سنة واحدة فقط ، وإن كان قد بقي في ذمة صاحبك عدة سنوات .
والله أعلم