السؤال:
آداب التكلم مع النساء عموما وفي الحالات التالية : البيع والشراء ، التعلم والتعليم ، المقابلات الشخصية لمصلحة العمل ، مثل تفهيمها شيئا معينا ؟ وما حكم غض البصر في مثل هذه الحالات ، ومتى يجوز النظر فيها للنساء عموما ؟ أرجو التفصيل الكامل الشافي .
الجواب:
الحمد لله
الحديث مع النساء الأجنبيات – غير المحارم - إما أن يكون لحاجة ، وإما أن يكون لغير
حاجة :
فأما إن كان لغير حاجة وحصل معه التلذذ بسماع صوت المرأة أو خضعت هي بالقول: فهذا محرم، وهو من زنى
اللسان والأذن الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم : ( كُتِبَ عَلَى ابْنِ
آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ : فَالْعَيْنَانِ
زِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ ، وَاللِّسَانُ
زِنَاهُ الْكَلَامُ ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا
الْخُطَا ، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ
وَيُكَذِّبُهُ ) رواه مسلم بهذا اللفظ (2657)
أما إذا وجدت الحاجة للحديث مع المرأة فالأصل فيه الجواز ، ولكن ينبغي مراعاة
الآداب الآتية :
1- الاقتصار على قدر الحاجة من الحديث ، مما يتعلق بالشأن المهم المقصود ، من غير
توسع ولا تشعب في أطراف المواضيع . ولك أن تتأمل أخي الكريم في أدب الصحابة رضوان
الله عليهم لتستطيع من خلاله المقارنة مع أحوالنا اليوم ، فقد روت أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها قصة الإفك الذي رماها به المنافقون ، فكان في حديثها رضي الله
عنها :
( وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِىُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِىُّ مِنْ
وَرَاءِ الْجَيْشِ ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ
نَائِمٍ ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ ،
فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي
بِجِلْبَابِي ، وَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلاَ سَمِعْتُ مِنْهُ
كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ، فَوَطِئَ
عَلَى يَدِهَا ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا ، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي
الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ ) رواه البخاري (4141) ومسلم (2770)
يقول العراقي رحمه الله :
" قولها : ( ولا سمعت منه كلمة ) : ليس تكرار , فإنه قد لا يكلمها ، ولكن يكلم نفسه
، أو يجهر بقراءة أو ذكر بحيث يسمعها ، فلم يقع منه ذلك ، بل استعمل الصمت في تلك
الحالة أدبا وصيانة ، ولهول تلك الحالة التي هو فيها .
وفيه – أي في الحديث - : ... حسن الأدب مع الأجنبيات لا سيما في الخلوة بهن عن
الضرورة في برية أو غيرها ، كما فعل صفوان من إبراكه الجمل بغير كلام ولا سؤال "
انتهى باختصار.
"طرح التثريب" (8/53)
2- تجنب المزاح والضحك ، فليس ذلك من شيم الأدب ولا من المروءة .
3- تجنب تحديق النظر ، والحرص الدائم على غض البصر قدر ما أمكن ، وإن وقع النظر
قليلا لغرض المحادثة فلا حرج إن شاء الله تعالى .
4- عدم الخضوع بالقول مِن كلا الطرفين ، وذلك بعدم تكلف ترقيق الصوت ، أو تلطيف
الخطاب ، وعليهما استعمال النبرة الطبيعية لكل متحدث ، فقد قال الله تعالى مخاطبا
أمهات المؤمنين: ( فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ
مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) الأحزاب/32.
5- تجنب استعمال أي لفظ فيه بعض المعاني أو الإشارات الغرامية ، أو الألفاظ التي
تعد من خصوصيات كلا الجنسين : الذكور والإناث ، ونحو ذلك .
6- ترك المبالغة في أساليب التأثير في المخاطب ، فبعض الناس يستعمل قدراته في
التواصل مع الآخرين من خلال حركات اليد ، أو الوجه ، أو استحضار الأشعار والأمثال
أو العبارات العاطفية ، وذلك باب يفتحه الشيطان للتعلق المحرم بين الجنسين .
يقول ابن القيم رحمه الله :
" والشعراء قاطبة لا يرون بالمحادثة والمخاطبة والنظر للأجنبيات بأسا ، وهو مخالف
للشرع والعقل ، وفيه تعريض للطبع لما هو مجبول عليه مِن مَيلِ كلِّ واحدٍ للآخر .
وكم مِن مفتون بذلك في دينه ودنياه " انتهى.
"روضة المحبين" (ص/88)
وقد سبق الحديث عن هذه المسألة في جواب رقم : (1497)
، (59873) ، (102930)
، وفي موقعنا قسم خاص لبعض الفتاوى المتعلقة بآداب الحديث مع النساء ، يمكن مراجعته
.
والله أعلم .