الأربعاء 22 ذو القعدة 1429 - 19 نو�?مبر 2008
108286



هل يدفع رشوة لطبيب ليحصل على تقرير طبي يعفيه من العمل المحرَّم؟
السؤال : مشكلتي تتلخص في كوني قدمت استقالتي من عملي - " الجيش " - ؛ وذلك للمحرمات التي فيه ، من حلق للحية ، والوقوف للضباط ، وطاعتهم إجباراً ، ولو في معصية الله ، وعدم الأمر المعروف والنهي عن المنكر ، وغيرها من المحرمات التي لا تخفى عليكم ، إلا أن استقالتي رُدت إليَّ ، فلم يبق لي سوى طريقتين للخروج وإلاَّ أنتظر ثلاث سنوات أُخر لتنتهي عقدتي ، وأخرج بأمان ، الطريقة الأولى : الفرار من الجندية ، والذي سيترتب عليه سجني ، وعدة مفاسد أخرى مع عائلتي ، الطريقة الثانية : أن أعطي مبلغاً من المال إلى طبيب عسكري مقابل أن يعطيني شهادة طبية تثبت عدم قدرتي على العمل في الجندية ، وبالتالي يقومون بإخراجي ، وسيعطوني تقاعداً تبعاً للسبع السنوات التي عملتها معهم ، وبعد تضييق الخناق علينا في العمل وإلزامنا بعدة ملزمات كعدم حضور حِلق الذكر وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان أستحيي من ذكرها ، وحذرونا من فعلها ، وبالفعل طردوا أحد إخواننا الملتزمين ، وبدؤوا بمطاردة الملتزمين ، وذلك ببث الجواسيس ، فاضطررت إلى عرض هذه الطريقة على شيخ أثق به فأفتاني بفعلها ، فنسألكم أن تفيدونا في الموضوع .

الجواب:
الحمد لله
أولاً:
العمل في الوظائف - سواء الحكومية أو الخاصة – التي يُلزم الموظف فيها بترك واجب شرعي ، أو وقوع في معصية : لا يجوز ، وقد نوَّع الله تعالى أسباب الرزق وكثَّره ، فلا يُعدُّ الموظف معذوراً بقبوله تلك الوظيفة والحال ما ذكرنا .
وإعفاء اللحية واجب شرعي ، وحلقها محرم ، وقد بيَّنا في جواب السؤال رقم ( 1189 ) حكم حلق اللحية وأن حلقها من المحرمات ، وطاعة الله ورسوله تقدَّم على طاعة كل أحد ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وقد بيَّنا في جواب السؤال رقم ( 5481 ) حرمة حلق اللحية حتى بالنسبة لمن أراد أن يعمل طياراً .
وعلى المسلم أن يحرص على الجمع بين الوظيفة الحلال وإعفاء اللحية ، فإن كان لا بد من أحد الأمرين فلا يقدِّم وظيفته على أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، و" من ترك شيئا لله عوَّضه الله خيراً منه " .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة : هل يجوز الدخول في أمر يتطلب الدخول فيه حلق اللحية وعدم التمكن من تأدية بعض الصلوات في أوقاتها ، وطاعة الأوامر العسكرية فيما حرم الله ؟ .
فأجابوا :
" لا يجوز للمسلم أن يدخل في أمر يستلزم هذه الأشياء أو بعضها ؛ لأنها معاص لله ورسوله ، وإن أجبر بدون اختياره وأدخل بقوة السلطان فالأمر ليس إليه ، ونرجو أن يجعل الله له فرجاً ومخرجاً ، فهو القائل سبحانه : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/1-2 ، والقائل سبحانه : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) الطلاق/4 .
وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم " انتهى .
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن قعود .
"فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء" (1/534) .
وفي جواب السؤال رقم ( 8230 ) ذكرنا فتوى الشيخ ابن باز في حرمة حلق اللحية لمن يعمل في الجيش ، وقال الشيخ - رحمه الله - فيها :
" فإذا كنت في عمل تلزم فيه بحلق لحيتك فلا تطعهم في ذلك ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ، فإن ألزموك بتركها : فاترك هذا العمل الذي يجرك لفعل ما يغضب الله ، وأسباب الرزق الأخرى كثيرة ميسرة ولله الحمد ، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه " انتهى .
وفي جواب السؤال رقم ( 8797 ) ذكرنا فتوى اللجنة الدائمة ، وفيها :
" أولا: يحرم حلق اللحية ، ويجب إعفاؤها .
ثانيا: لا تجوز تحية العلم .
ثالثا: يجب الحكم بشريعة الإسلام ، والتحاكم إليها ، ولا يجوز للمسلم أن يحيي الزعماء أو الرؤساء تحية الأعاجم ؛ لما ورد من النهي عن التشبه بهم ، ولما في ذلك من الغلو في تعظيمهم " انتهى باختصار .
ثانياً:
يجب على من دخل تلك الوظائف التي يرتكب فيها المعاصي والآثام أن يبادر للخروج منها ، وليحتسب ذلك عند ربه تعالى ، وقد كان السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم من القرون الفاضلة أكثر الناس التزاماً بالشرع ، وتركاً للمحرَّم وإن كان لهم فيه نفع ، أو كانت نفوسهم قد ألفته ، كما هو حالهم عندما حرَّم الله عليهم الخمر ، وعندما أوجب الله على النساء الحجاب الكامل .
1. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( كان أبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء وأبي بن كعب عند أبي طلحة ، وأنا أسقيهم من شرابٍ حتى كاد يأخذ فيهم ، فمرَّ بنا مارٌّ مِن المسلمين فنادى : ألا هل شعرتم أن الخمر قد حرمت ؟ قال : فوالله ما انتظروا أن أمروني أن أكفِئ ما في آنيتك ، ففعلت ، فما عادوا في شيء منها حتى لقوا الله ) رواه ابن حبان في " صحيحه " (12/184) حديث رقم : 5361 .
2. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ) رواه البخاري ( 4480 ) .
والخُمُر : جمع خمار ، وهو غطاء الرأس ، والجيوب : جمع جيب ، وهو فتحة الثوب من ناحية الرأس ، والمراد ما يظهر منه الصدر ، ومرطوهن : جمع مرط ، وهو الإزار ، والإزار هو الملاءة ، فاختمرن بها : غطين وجوههن بالمروط .
فلا ينبغي التردد في ترك المحرمات ، وينبغي المبادرة لفعل الطاعات ، وهذه التقوى أحد أسباب الرزق ، كما قال تعالى : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) الطلاق/2،3 .
ثالثاً:
إذا لم يستطع الموظف الخروج من الوظيفة بطرق مباحة سليمة في الأصل ، وأرغم على البقاء فيها ، فله أن يتوصل إلى الخروج منها بالحيلة ، أو التورية ، فإن لم ينفع : فيجوز له الرشوة ، والكذب ، وإثم ذلك على من اضطره إليه ، وعلى من أخذ منه المال .
1. أما جواز الرشوة في هذه الحال :
أ. قال ابن الأثير الجزري رحمه الله :
" فالراشي : مَن يُعطي الذي يعينه على الباطل ، والمرتشي : الآخذ ، والرائش : الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا ، فأما ما يُعطى توصلاً إلى أخذِ حقٍّ أو دفع ظلمٍ : فغير داخل فيه ، روي أن ابن مسعود أُخذ بأرض الحبشة في شيءٍ فأَعطى دينارين حتى خُلِّي سبيله ، ورُوي عن جماعة من أئمة التابعين قالوا : لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم " انتهى .
"النهاية في غريب الحديث" (2/226) .
ب. وقال الخطابي رحمه الله :
" إذا أَعطى ليتوصل به إلى حقه ، أو يدفع عن نفسه ظلماً : فإنه غير داخل في هذا الوعيد [ يعني : لعن الراشي] " انتهى .
"معالم السنن" (5/207) .
وانظر تفصيلاً أوفى في جوابي السؤالين : ( 60183 ) و ( 72268 ) .
2. وأما جواز الكذب :
قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله :
" واعلم أن الكذب قد يباح ، وقد يجب ، والضابط - كما في " الإحياء " - : أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً : فالكذب فيه حرام ، وإن أمكن التوصل بالكذب وحده : فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود ، وواجب إن وجب تحصيل ذلك " انتهى .
"الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/196) .
رابعاً:
أما التقاعد الذي سيعطونك إياه في هذه الحالة ، فإن كنت غير محتاج إليه ، فالأولى لك التصدق به ، وإن كنت محتاجا فنرجو أن لا يكون عليك حرج من الانتفاع به ، ويكون عوناً لك على الاستقامة والتوبة من هذا العمل المحرم .
ونسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير حيث كان .
والله أعلم
 


الإسلام سؤال وجواب



 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الإسلام سؤال وجواب©  1997-2008  : 93.64